(إن الولاة جعلوا العيون على العوام، وأنا أجعلك عيني على نفسي، فإن سمعت مني كلمة تربأ بي عنها، أو فعالا لا تحبه، فعظني عنده، وانهني عنه) (1) .
وكان سيد تابعي الشام بلال بن سعد يقول لصاحبه عبد الرحمن بن يزيد:
(بلغني أن المؤمن مرآة أخيه، فهل تستريب من أمري شيئا؟) (2)
وأصرح منهما: ميمن بن مهران قدوة أهل الجزيرة، فإنه عرض نفسه على جمع من أصحابه وقال لهم:
(قولوا في ما أكره في وجهي، لأن الرجل لا ينصح أخاه حتى يقول له في وجهة=ه ما يكره) .
هذا فعل الصالحين.
هو.. أو السماح للعيوب بالتراكم.
ولداعية اليوم في فعلهم موعظة ونور وبلاغ، ولا بد له أن يخرج من الفتن التي من حوله بأسئلة عمرية ميمونة، تبعث سمت الاتباع ذاك وتعيده حيا، فأنه لولا كبر واعتداد رأيناهما لعقل مقدمات الفتن المندرسة جيل من المغرورين كثير عددهم، بطحتهم لوجوههم تباعًا، وأخذتهم أخذة رابية، وكان من الممكن أن ينجوا منها لو أعطوا نم أنفسهم أذنا صاغية، لكنهم كانوا قوما يصدون.
وذهبت فتنتهم، وثبت الأجر للثابتين، وبقي طريق العمل الواسع اللاحب، وبقيت أنوار الاستعاذة والإخلاص والتناصح، تقود المسالك إلى:
نور رابع وهاج، هو:
نعليب نفسية التغافر
أوقده الزاهد ابن السماك واعظ هارون الرشيد لما: (قال له صديق الميعاد بيني وبينك غدًا نتعاتب) كأنها كانت هفوة من ابن السماك أو زلة تعكر لها قلب صديقة.
فقال له ابن السماك رحمه الله تعالى:
(بل بيني وبينك غدًا نتغافر) .
وهو جواب يأخذ بمجامع القلوب، ملؤه فقه وواقعية، يشير إلى وجود قلب وراء هذا اللسان يلذعه واقع المسلمين، وتؤلمه أسباب تفرقهم.
وكذلك يكون استدراك الوازن لتسرع الحساس.
فلماذا التعاتب المكفهر بين الإخوان؟ كل منهم يطلب من صاحبه أن يكون معصومًا.
أليس التغافر أولى وأطهر وأبرد للقلب؟
(1) عيون الأخبار لابن قتيبة 2/18.
(2) زهد ابن المبارك/485.