(هذه الطريق إلى فلسطين، وأنت من أهلها، فالحق بها.
فقيل له: يا أمير المؤمنين، لو رأيت أبا عبيد، وتشميره للخير!!
فقال: ذاك أحق أن نفتنه، كانت فيه أبهة للعامة) (1) .
فهي كلمة قالها عمر، وسوغها فعل عمر.
ولقادة الدعوة هذا اليوم أن يقولوا لكل داعية يتطلع للسمعة والجاه والمكانة الاجتماعية المرموقة مثل الذي قاله عمر لأبي عبيد، ويفهموه أن:
قد أخطأت بداية الطريق إلى مرادك، فمررت بديار دعوة التواضع والبذل والالتزام الخططي، وهذه الطريق إلى ديار أشكالك، فالحق بهم.
ومن العوائق: الهزيمة النفسية أمام كثافة نقد المتهجمين، حتى إن الداعية ليظن بنفسه السوء.
ذلك أننا مازلنا نسمع بين الفينة والفينة نقدا من الدعاة لأنفسهم، يتخذ أحيانًا عند بعض متحمسيهم شكل تقريع، يتهمون خلاله أنفسهم بأنهم قصروا عن الوصول إلى منازل السلف، وأن بينهم وبين الصفات التي يحكيها التاريخ لنماذج اسلف الصالح الأول من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، والتابعين وتابعيهم بإحسان رحمهم الله، بونا شاسعًا، وأن الفاحص يتلفت فلا يرى أحدًا سما وعلا في أخلاقه وعبادته وجهاده إلى درجة يماثل بها أولئك النبلاء النجباء.
وقد يتخذ هذا التقريع بعدًا آخر يتفرع منه، يضع الدعاة في موقف المتهم لمناهج التربية الإسلامية الحركية، ويحملها مسؤولية هذا القصور.
ولسنا نشك في أن هذه الظاهرة ظاهرة صحية في مجتمعات الدعاة، وأن فحص النتائج ومعاودة الحساب فضيلة راجحة على السير الجزاف الذي لا يعطف المرء فيه إلى مناقشة العمل.
ولكن جمال هذه الظاهرة لا يكتمل إلا بمناقشة وتقويم من قبل المجربين لما يطرح من تساؤلات وشكوك في هذا الباب، وهذا ما يحدونا إلى أن نطلب من الدعاة مصاحبتنا خلال هذه الفقرات في عملية وزن للقضية، نحاول أن نكون حكما فيها، يكشف حقيقة الرصيد الحاصل، وطبائع النقص الواجب استدراكه.
(1) تهذيب التهذيب 112/158.