(ولا يستصحب الأمير معه مخذلا، وهو الذي يثبط الناس عن الغزو ويزهدهم في الخروج إليه والقتال والمشقة، مثل أن يقول: الحر أو البرد شديد، والمشقة شديدة ولا تؤمن هزيمة هذا الجيش، وأشباه هذا.
ولا مرجفا، وهو الذي يقول: قد هلكت سرية المسلمين وما لهم مدد، ولا طاقة لهم بالكفار، والكفار لهم قوة ومدد وصبر ولا يثبت لهم أحد، ونحو هذا.
ولا من يعين على المسلمين بالتجسس للكفار وإطلاعهم على عورات المسلمين ومكاتبتهم بأخبارهم ودلالتهم على عوارتهم أو إيواء جواسيسهم.
ولا من يوقع العداوة بين المسلمين ويسعى بالفساد، لقوله تعالى: (وَلَكِن كَرِهَ اللهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ* لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا ولأوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ) . ولأن هؤلاء مضرة على المسلمين فيلزمه منعهم) (1) .
وهذا من الكلام الحق الذي لا يستغربه المعالج لسياسة الجماعات.
غرور الفقيه يمنع تأميره
وأما من يستغرب مثل هذا الكلام، ويستصعب قياس أحوال مفتتنة اليوم على أحوال المنافقين الذين تخلفوا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإننا على استعداد لكي نسير معه مرحلة فقهية أخرى لا خلاف فيها.
فلو تجاوزنا وصية الذي حذر الإمام البنا من الرجل الصالح الذي لا يحترم النظام، مما ذكرناه آنفا، ونصحه له بإبعاده عن الصف، فإننا نجد في فقه عمر بن عبد العزيز رحمه الله ما يسوغ إبعاد الصادق صاحب الخير عن المسؤولية إذا كان فيه نوع من حب الظهور والخيلاء، سدًا للذريعة، وصيانة له من احتمالات الافتتان والجناية على نفسه وعلى الدعوة.
فقد روى أن الراشد الخامس لما ولي الخلافة أرسل إلى أبي عبيد المذحجي، وكان فقيها ثقة في الحديث، من شيوخ الأوزاعي ومالك، وممن يستعين بهم الخليفة سليمان بن عبد الملك، فقال له عمر:
(1) المغني لابن قدامة 8/315.