الصفحة 151 من 172

فمثال كلام السلف الأول في ذلك: استعراض الإمام الشافعي في كتاب الأم لحوادث تخلف المنافقين المتتالية عن المشاركة في الغزوات النبوية الكريمة، وتنبيهه إلى أن من يشتهر في أجيال المسلمين بعد ذلك بمثل ما وصف به أولئك المنافقون فإن أمره يقاس عليهم ويعاقب بمثل ما عوقبوا به.

يقول الشافعي:

(غزا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فغزا معه من يعرف نفاقه، فانخزل يوم أحد عنه بثلثمائة، ثم شهدوا معه يوم الخندق فتكلموا بما حكى الله عز وجل من قولهم: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا، ثم غزا النبي -صلى الله عليه وسلم- بني المصطلق فشهدها معه عدد، فتكلموا بما حكى الله من قولهم: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.

وغير ذلك مما حكي الله عز وجل من نفاقهم، ثم غزا غزوة تبوك فشهدها معه قوم منهم نفروا ليلة العقبة ليقتلوه، فوقاه الله عز وجل شرهم وتخلف آخرون منهم فيمن بحضرته، ثم أنزل الله عز وجل في غزوة تبوك أو منصرفه عنها -ولم يكن في تبوك قتال- من أخبارهم فقال: ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة، ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين.

قال الشافعي: فأظهر الله عز وجل لرسوله -صلى الله عليه وسلم- أسرارهم خبر السماعين لهم وابتغاءهم أن يفتنوا من معه بالكذب والإرجاف والتخذيل لهم، فأخبره أنه كره انبعاثهم فثبطهم، إذ كانوا على هذه النية، وكان فيهم ما دل على أن الله عز وجل أمر أن يمنع من عرف بما عرفوا به من أن يغزو مع المسلمين، لأنه ضرر عليهم.

قال الشافعي:

فمن شهر بمثل ما وصف الله تعالى المنافقين: لم يحل للأمام أن يدعه يغزو معه، لطلبه فتنتهم وتخذيله إياهم وأن يهم من يستمع له بالغفلة والقرابة والصداقة، وأن هذا قد يكون أضر عليهم من كثير من عدوهم) (1) .

واستمر الفقه على هذا حتى استلم رايته ابن قدامة المقدسي فقال:

(1) الأم للشافعي 4/89.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت