الصفحة 102 من 172

وخلال سرد الإمام أحمد لأوصاف الزاهد وطبقات الزهاد وعظنا موعظة صريحة، أحيا بها فقه الحسن البصري إمام التابعين فروي استفتاء التابعي عبد الواحد بن زيد للحسن:

قال عبد الواحد:

(قلت للحسن: يا أبا سعيد: أخبرني عن رجل لم يشهد فتنة ابن المهلب، إلا أنه عاون بلسانه ورضي بقلب!!

قال: يا ابن أخي ككم يد عقرت الناقة؟

قلت: يد واحدة.

قال: أليس قد هلك القوم جميعا برضالهم وتماليهم) (1) .

وابن المهلب هذا هو ابن المهلب بن أبي صفرة البطل مبيد الخوارج، أعجبته نفسه، وغره ما ورثه من جاه أبيه، فعشق الرئاسة، فأعلن الانفصال عن الدولة الإسلامية الفتية.

فالموالاة كالدخول، ليس من فرق بينهما عند رأس فقهاء التابعين بإحسان.

وهي كذلك عند الذين بعده، فجعل بعضهم استئناس المرء وصحبته للمتخلقين بأخلاق المفتتنين مسوغا لنا لتصنيفنا إياهم معهم. فقال:

(دليل وحشتهم: أنسهم بالمستوحشين.

ودليل بطالتهم: صحبتهم للبطالين.

ودليل تخليطهم: صحبتهم للمخلطين).

فالعمل الإسلامي رحب، كله أجر ومثوبة ونور، ولمثله يبتسم العاقل مستبشرًا، فإن استوحش بعض من يدعيه، وعبس وبسر، ثم استأنس بوحشة آخر: فإنه شريكه دون ريب.

وهذه الفتن كلها بطالة وسلبيات، وقعود عن العمل وانزواء، وانحدار تدريجي نحو الركود، ثم سبات وغطيط، وصاحب أصحابها منهم دون ريب.

وهي كلها استعارات، وترقيعات، ومزج للباطل بالحق، وتدخين وتخليط، ومن رضي أن يقعد بباب دكان صاحبه الحداد، لتطربه الأنغام النشاز التي تبعثها مطارق الحدادين، فلا يعجبن إن ظنه الناس حدادًا.

مهما عصفت الفتن وآذت، فإن إجالة سريعًا لأبصارنا في محيط هذا الجيل الموفق من الدعاة تترك بسرعة أثرًا من السكينة في قلوبنا تصغر أشباح المفتتنين فيها، بل تدعها بددًا، حتى تخلو من الرهبة لهم تمامًا.

(1) كتاب الزهد للإمام أحمد/289.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت