الصفحة 101 من 172

وهذه حقيقة تنفعنا. فالمجتمع المسلم يجب أن يكون بريئا من هذه الظاهرة، وأن يرجع أفراده إليه وإلى قيادتهم العامة بما يخطر لهم من الخواطر، أو بما يعرض لهم من خطط واتجاهات أو مشكلات) (1) .

وهكذا يخرج الموفق من ضيق مجلس النجوى إلى رحاب التشاور الواسعة، وبهجة الإصلاح بين الناس، ابتغاء مرضاة الله، والله نور السماوات والأرض، فيجعل الله له نورًا جديدًا، يزيد قوة إبصاره، ويشجعه على سرعان الفرار إلى الله، فيمر في محاذاة مصباحة، مصباح هذا النور الجديد، ويلتفت إليه ليحصي فضل الله عليه، فإذا هو:

النور الرابع عشر، المتدلي من ثريا:

حمل القلب على استقباح الفتن

فإن المرء مطالب بأن ينكر بقلبه كل أنواع الفتن، وأن يستشعر عيبها، ولو لم يدخل طرفا فيها، فإن الاستحسان يوشك أن يغري صاحبه بالولوج.

لذلك لا يعد أحدنا بريئا من هذه الفتن تمام البراءة إلا بمثل هذا الاستقباح.

وقديمًا أبي شريح القاضي أن يمزج نبله وفضله بشيء من آثار الفتن، فلبث تسع سنين كاملات معتزلا فتنة القتال أيام أرسل عبد الله بن الزبير أخاه مصعبا ليقاتل عنه ويحكم العراق باسمه، كان شريح خلالهن: (لا يخبر ولا يستخبر) مع أن ابن الزبير كان له من التأويل الصادق أكثر من غيره، فقيل لشريح:

(قد سلمت!

قال: فكيف بالهوى) (2) .

وكان هواه مع ابن الزبير.

أي أنه كان يتهم نفسه بعدم البراءة وإن لم يشترك في قتال أو يقف خطيبا مؤيدًا، لأن قلبه كان يميل إلى ابن الزبير.

فإذا كان شأن مجرد الميل القلبي كذلك، فمن باب أولى أن تكون موالاة أهل الفتنة، والتصريح بالرضا عن فعلهم، كالدخول في فتنتهم نفسها، أو منزلة قريبة من الدخول، وإن أبقى الراضي لنفسه صورة الوفاء بالبيعة، ولم ينسب نفسه إلى جمهور المفتتنين.

(1) في ظلال القرآن 5/226.

(2) طبقات ابن سعد 6/141.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت