الصفحة 23 من 172

(وليعلم المسلم أنه لا يكون مسلمًا حقا إلا إذا أصبحت عقيدته جزءا لا يتجزأ من أخلاقه وسلوكه، فيكون عادلا مع الناس جميعا ويحذر نوازع الهوى أن تميل به عن هذا العدل مع أقرب الناس إليه، فلا يذكر إخوانه بسوء ولا بغتابهم، ولا يلمزهم، فإن أكثر الشرور إنما تنشأ عن مثل ذلك) (1) .

ورأس هذه الشرور في مشاهدات الفضيل: ارتفاع الأخوة.

يقول رحمه الله.

(إذا ظهرت الغيبة، ارتفعت الأخوة في الله.

إنما مثلكم في ذلك الزمان مثل شيء مطلي بالذهب والفضة، داخله خشب، وخارجه حسن).

هي سلسلة طويلة من العيوب، كل يكشف بعض الحلقات المتقاربة منها، وكما وصف الفضيل بعضها، كشف الرجال الصالح أبو بكر الحكيم الوراق بعضا آخر منها، فقال:

(إذا غلب الهوى: أظلم القلب، وإذا أظلم القلب، ضاق الصدر، وإذا ضاق الصدر: ساء الخلق، وإذا ساء الخلق، أبغضه الخلق) .

توالد مستمر:

وكما كانت الغيبة وكان الهوى نقاط انطلاق لعيوب كثيرة: يكون الانتصار للنفس نقطة تنطلق منها أيضا جملة وسائل ملتوية.

(ويظهر أن النفس الإنسانية إذا ألح عليها معنى الانتصار ولو بغير الحق لم تعد تفكر فيما عداه وإن ساقتها وسائلها الملتوية إلى الهزيمة المتكررة حتى تصل إلى الهزيمة التامة) (2) .

وكل ذلك يصبح مجتمع الدعاة الصغير كما يصيب مجتمع المسلمين الكبير إذا اعترتهم الغفلة. ومن مرت أمام نظره فتنة سلمه الله منها: عرف مقدار صواب الفضيل والوراق والهضيبي، والمجادل ينكر احتمال تعرض الدعاة لغيبة، يسميها النقد الذاتي، وينكر تلبس الداعية بالهوى، يسميه الاجتهاد والوعي الجديد وما شاء من الأسماء، وما دري أنه من جهله في إغواء، ومن هواه في إغراء.

هي سلاسل مقيدة موثقة، كما أنها سلاسل متتابعة متوالدة، تلك العيوب الثالمة الثالبة، تشل صاحبها عن حيوية في الخير وحراك، وتشده إلى أرض الجمود.

لها تزين وتزيين.

(1) مجلة (المسلمون) ، 1/420.

(2) مذكرات الدعوة والداعية/112.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت