الصفحة 22 من 172

لكن المفتقر إلى درجة أبي ذر في الصدق يدخل في الشر بمقدار فقره، فلا ترى ضعيفا بعده إلا وهو بخيل في التصدق على نفسه يلفه الشح الشديد المفضوح، أو يحرمها من الطيبات فحسب، بمقدار قربه من الكذب أو بعده عنه.

للعيوب نقاط انطلاق

ولو سلم بعد هذا البخل لهان خطبه، ولكن العيب من شأن أن يتتابع بشكلين مزدوجين: عدوى وتنوعا، فيكون كثيرة تقعد بصاحبها وتسري إلى غيره كعدوى المرض.

أما العدوى: فإن وحشته الأولى قد أوقفته عن التقدم بما رجف فؤاده، لتفرده في خصلة خير قد زهد فيها غيره، ثم يخطئ ويأتي عيبا، ومن شأن البشر الخطأ، فيربا بنفسه ثانية عن التفرد في الخطأ ويعتاد طلب الأنيس، وينسى طريق التوبة القريب، فيكون داعيا للخطأ، كما قال زهير ابن نعيم:

(يخطئ فيحب أن الناس قد أخطأوا) فيصبح بالفتنة في كل واد، ينشرها أفقيًا، ويصير راجفا مرجفًا.

وأما التتابع النوعي: فلأن العيوب مترابطة، بعضها يستلزم البعض، مثل ترابط أخلاق الإيمان، وهو ما قرره الفضيل بن عياض حين قال:

(من أراد أن يسلم من الغيبة فليسد على نفسه باب الظنون، فمن سلم من الظن: سلم من التجسس، ومن سلم من التجسس: سلم من الغيبة) .

ولا شك أن الفضيل قطع ذكر التوالي استفزاز لنباهتك، فإن العيوب تترى، بعضها يردف بعضا فآخر ما ذكره الفضيل، وهي الغيبة: هي أول سلسلة أخرى، فإن الغيبة تقود إلى الحسد، والحسد يقود إلى النميمة، والنميمة تقود إلى الكذب، ومن استجاز الكذب لم يتورع عن النزاع، إلى مائة عيب.

وهذا ما يقرره الأستاذ المرشد الهضيبي، فإنه يري أن أكثر الشرور تبدأ بالغيبة ويقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت