(هؤلاء الذين آثروا الراحة على الجهد -في ساعة العسرة- وتخلفوا عن الركب في أول مرة. هؤلاء لا يصلحون لكفاح، ولا يرجون لجهاد، ولا يجوز أن يؤخذوا بالسماحة والتغاضي، ولا أن يتاح لهم شرف الجهاد الديني بعدما تخلوا عنه راضين:
(فَإِن رَّجَعَكَ اللهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ) .
(إن الدعوات في حاجة إلى طبائع صلبة مستقيمة ثابتة مصممة تصمد في الكفاح الطويل الشاق. والصف الذي يتخلله الضعاف المسترخون لا يصمد، لأنهم يخذلونه في ساعة لاشدة فيشيعون فيه الخذلان والضعف والاضطراب. فالذين يضعفون ويتخلفون يجب نبذهم بعيدًا عن الصف وقاية له من التخلخل والهزيمة. والتسامح مع الذين يتخلفون عن الصف في ساعة الشدة، ثم يعودون إليه في ساعة الرخاء: جناية على الصف كله، وعلى الدعوة التي يكافح في سبيلها كفاحه المرير.
(فقل: لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا) .
لماذا؟
(إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ) .
ففقدتم حقكم في شرف الخروج، وشرف الانتظام في الكتبية، والجهاد عبء لا ينهض به إلا من هم له أهل، فلا سماحة في هذا ولا مجاملة.
(فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ) .
المتجانسين معكم في التخلف والقعود.
هذا هو الطيرق الذي رسمه الله تعالى لنبيه الكريم، وإنه لطريق هذه الدعوة ورجالها أبدًا) (1) .
فتاوى الفقهاء في تنقية الصفوف
وهو الطريق الذي فهمه أعيان فقهاء الإسلام منذ صدر الإسلام وعلى تعاقب القرون فأرشدوا قادة المسلمين إلى تطهير الصف من المخذل والمثبط والمرجف، والتشدد في انتقاء الجنود.
(1) في ظلال القرآن 10/265.