الصفحة 149 من 172

وغالبا ما يكون فقدان القدرة على العمل التجميعي والتربوي هو العيب المشترك المؤدي إلى ظاهرة صلح الافتضاح هذه، فإن الضعيف يهوي أن ترتفع منزلته في الدعوة بتناسب طردي مع قدم انتسابه وارتفاع منزلته الوظيفية أو الدراسية أو الاجتماعية، وللدعوة أنظمة وأعراف وشروط تمنع تولية من لا يبرع في أعمالها وتنفيذ خططها، أو من يتواري ويؤثر الراحة أيام التضحية، فتصطدم رغبة الضعيف بالأسباب التي تحول دون تحقيقها، فيكون الافتتان عند ضعف التقوى.

وخطاب الشاعر القديم لبعض المفتتنين يبعثه استشعاره لهذه الحقيقة لما يقول لهم:

فانتهوا إن للشدائد أهلا

وذروا ما تزين الأهواء

فهو يطلب منهم الانتهاء عن الغين ويدعوهم إلى الافصاح عما ستروه من دافع حب الراحة وتجنب المشقة.

وهو نفسه الدافع الذي حكام القرآن عن المخلفين في سورة التوبة إذ يقول الله تعالى: (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَن يُّجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَالُوا لاَ تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ) .

(إن هؤلاء لهم نموذج لضعف الهمة، وطرواة الإرادة وكثيرون هم الذين يشفقون من المتابع، وينفرون من الجهد، ويؤثرون الراحة الرخيصة على الكدح الكريم، ويفضلون السلام الذليلة على الخطر العزيز. وهم يتساقطون إعياء خلف الصفوف الجادة الزاحفة العارفة بتكاليف الدعوات، ولكن هذه الصفوف تظل في طريقها المملوء بالعقبات، والأشواك، لأنها تدرك بفطرتها أن كفاح العقبات والأشواك فطرة في الإنسان، وأنه ألذ وأجمل من القعود والتخلف والراحة البليدة التي لا تليق بالرجال) (1) .

(1) في ظلال القرآن 10/264.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت