(إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فطفت فيهم: أحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه النفاق) (1) .
فما من خارج عن الجماعة من قبل، كنت أعلم ضعفه يوم كانت قدمي ثابتة، إلا وأصبح يحتفل بي إذا رآني، ويهش بوجهي، ويبتسم ابتسامة تلذع قلبي.
وإنه لدرس لي، كان، وعفا الله عما سلف، وأحمد الله تعالى على ما هداني إليه أولا، حين كنت ناشئا في هذه الدعوة، وأخيرًا حين زلت قدمي بالأمس فبصرني عيبي ويسر لي التوبة اليوم، ثم أحمده لما كان بين ذلك من حفظ وتربية وتأديب.
أيها القائد المطاع:
أملي أن تقبلوا عذري، مؤكدًا أني الآن قد:
صحا قلبي، وعاد إلي عقلي
وأقصر باطلي، ونسيت جهلي
راجيا نسيان ما حدث، إذ لعلها كبوة جواد، والسلام عليكم ورحمة الله).
تل كقصة عتاب واعتذار.
وهل لهذا القائد غير أن يقبل عذر المعتذر بعد إذ بلغه قول النبي -صلى الله عليه وسلم- أقيلوا ذوي الهيآت عثراتهم! (2)
صلح ذوي الراحات
لكن الذي يرفض النصيحة: يبقى صريع شهوته، فيفضحه عيبه، فتشير إليه الأصابع، فيفتش عن مثيل، فتتكون جمهرة ناشزة، تبدو من خارج كأنها متآلفة، وعوامل التناقض تتصارع داخلها.
وهذا هو صلح الافتضاح الذي اكتشفه الفضيل بن عياض لما وصف أنفارًأ من الأضداد تحالفوا فقال:
(افتضحوا فاصطلحوا)
فلكل منهم عيوب، فهم مصطلحون على ترك التناصح بينهم، متفقون على تدليس عيوبهم وتغطيتها بلبوس الصفة الجماعية.
وهذه الظاهرة تكشف لمن يعرفها خلفيات كثير من الفتن التي الهت الدعوة، وتبين أصولها انطلاقها وتطورها.
(1) صحيح البخاري 6/5.
(2) صحيح الجامع الصغير للألباني 1/382.