الصفحة 154 من 172

والذي ندعو له ابتداء أن يرى الداعية الناقد لنفسه فروقا واضحة بين جيلنا وأجيال السلف، وظروفا قد تغيرت، ولا بد من أخذ ذلك بعين الاعتبار حين البحث.

طمع محرك، ورحمة مغرية

فأول ما يبدو هنا من ذلك أن المربي بالأمس غير المربي هذا اليوم، فلقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- والخلفاء الراشدون المهديون، ومن وازاهم من قدماء المهاجرين ونقباء الأنصار، هم المربون لذلك الجيل السالف الذي فتح الله تعالى على يديه الفتوح العظيمة. وتلك بركة أنيل لها في خصوصية واضحة، من لدن متفضل لطيف منعم سبحانه لا ينبغي لأحد ممن بعد جيلهم أن يسمح لنفسه في أن يأمل عشرها فضلا عن مثلها. بل لقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لبعض الجيل الأوسط من الصحابة رضي الله عنهم أنهم لن يبلغوا نصيف مد أحد من رعيلهم الأول، كما روى مسلم في صحيحه، فكيف بمسلمة الفتح ومن تلاهم؟

فكل متصد للتربية بعدهم ناقص -ولابد- عنهم، وإنما فرضتنا الحاجة التربوية فوضعتنا في مقام الأستاذية بعضنا لبعض طمعا في أن ننال بالتواصي الجماعي بالحق وبالصبر ما يكمن أن ينال من جميل الخصال الإيمانية، ومحاسن الصفات الإسلامية.

فنحن بهذا الطمع نتحرك، من دون تطلع لمنافسة السلف الصالح، فإنهم قد استبدوا بالحظ الأوفر من الفضل، وبالنصيب الأوفى من المحاسن، ومتجرد عن الأدب ذاك الخلف الذي يطيل عنقه تكلفا ليصل برأسه إلى مستوى رفعتهم، ولولا حديث (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) لفترت الهمم، وركت العزائم، ولكنها رحمة الله واسعة، تطمع الطامع وتغريه، فيتشبه بالكرام عسى ولعل.

الهدم الصعب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت