ولو عكسنا رؤيتنا لجابهتنا حقيقة مقابلة لهذه، تفصح عن أن المتربي هذا اليوم هو غير سلفه المتربي، وليس المربي فقط، فاليوم يشهد المجتمع تصارعا بين مناهج تربوية مختلفة، يقف المنهج التربوي الإسلامي في خضم تصارعها، ونجد الفرد الشاب الذي نحاول تربيته مختلط الفكر، موزع القلب، مضطرب النفس، من جراء ما خضع لهذا الحشد الشديد المتناقض من مواد التربية التي تصبها عليه مناهج المدارس والجامعات، وبرامج الإذاعة والتلفزيون، ولغو الصحف والمجلات، ولكلها تأثيرات تصادم كلام المربي المسلم، وتؤثر سلبًا على تلميذه.
أما جيل السلف فكان جيلا بسيطا فطريا، وكان العرب بخاصة في عزلة عن الأمم، وما ثم إلا شركهم بالله تعالى شركا بدائيا غير معقد، يعبدون خلاله الأصنام لتقربهم إلى الله زلفى، وهم أهل صدق في المقال، وعفاف في الجوارح، قد غمرتهم خلوتهم الصحراوية بسكينة افتقدتها الأمم، ولم تكن لهم فلسفية جاهلية تناقض الإسلام الجديد، ولا يعرفون الجدل في ذلك، بل فيهم بقية من الحنفية الإبراهيمية، حتى لقد كان زيد بن عمرو بن نفيل رحمه الله يجهر بالتوحيد عند الكعبة، ويدعو العرب إلى ملة إبراهيم، قبل أربع سنوات فقط من نزول القرآن، فكان صنيعه وصنيع أمثاله من آخر الحنفيين المهديين، إرهاصًا بين يدي دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- بمثابة التمهيد وإثارة تطلع العرب إلى الدين القديم الجديد.
ومن هاهنا، فإن جهود النبي -صلى الله عليه وسلم- وجهود أصحابه رضي الله عنهم، في التربية من بعده، قد أثمرت كلها ولم يتبدد شيء من جهدهم سدى، لجودة معدن المتلقي المتربي، وخلو فكره عما يناقض ما يقال.