بينما نبذل اليوم جهدًا كبيرًا لإصلاح ما أفسدته التربيات المختلفة في نفوس تلاميذنا، ونسلك معهم طريقا طويلا لإيصالهم إلى منزلة الحياد، إن صح هذا التعبير، لنبدأ من بعد ذلك بإعطائهم مفردات الإسلام، وهي عملية شاقة، عملية استلال بقايا الجاهلية من نفوس المتربين التلامذة، فبعضهم يحن حنينا إلى شيء من طباعه الماضية وقد كنت تظن أنه قد استكمل الإيمان أو قارب، وكم من حيصة يحيصها المتربي قبل النهاية تعلم المربي ضرورة إطالة النفس في هدم تأثيرات ورذائل التربيات المعاكسة في نفس التلميذ الثاني اللاحق له قبل بناء قواعد الإسلام فيه.
ولا شك أن عملية الهدم والبناء عملية مزدوجة تتم في آن واحد، ولا نريد أن يعترض معترض على ألفاظنا هذه، ولكنها ألفاظ لا بد منها لتوضيح المعنى.
ومما يمكن أن نحتج به ونتخذه دليلا في هذا الصدد، أن الفرس وأمم الهند، كانت لهم فلسفات جاهلية وكتب مدونة، سببت اختلاط إسلام كثير منهم بالبدع حين أسلموا، وعاند كثير منهم، ولم تظهر فيهم نماذج عالية في حياز صفات الإسلام بمثل كثافة ظهورها في العرب أول ما افتتحت الفتوح، مع أن المربي واحد، وإنما شاعر فيهم الخير من بعد دهر طويل نسوا فيه جاهليتهم تلك، واندثرت معالم فلسفاتهم.
وتكررت هذه الظاهرة مرة أخرى في عصر الإسلام الأوسط حين دخلت شعوب جديدة في الإسلام كانت متأثرة بفلسفات الإغريق والرومان، فلم يكثر فيهم النبلاء إلا من بعد دهر.
كذلك نجد صدى هذه الظاهرة جليا لما شاعت في زمن المأمون ترجمات كتب أرسطو وأفلاطون، فضعفت الهمم، وندرت نماذج الخير، حتى أن المتفحص للتاريخ ليجد صدورًا غريبا عن كتب سقراط لا يفهمه لأول وهلة، ولكن عجبه يزول حين يعلم أن سقراط كان أقرب إلى التوحيد من أولئك، فركنوه جانبًا، ولولا وقفة إمام السنة أحمد بن حنبل لضعفت دولة الإسلام، لكن الله رفأ به الفتق وسد الخرق.