عتاب بمقدمة تفسير وخاتمة ابتسام
وللتغافر الذي أصر عليه ابن السماك وتنوعت له ألحان الشاعر: أهمية خاصة كأهمية نجم قطب الشمال بين نجم السماء، فان الكثير من حوادث نكوص الدعاة ترجع إلى فلتة لسان أو هفوة تعامل لم يغتفروها، والغفران منهم قريب. أو إلى ظن يتوهمون معه حصول تعد تجاههم أو تقصير، وتمحيص الأخبار أو طلب التعليل منهم أقرب.
ولو أنهم عتبوا بلسان خفيض نم غير استفزاز لكان خيرًا لهم، ولوجدوا من يثني على طيبهم كثناء الشاعر على أصحابه حين أسر عتبهم قلبه فقال:
عتبتم فلم نعلم لطيب حديثكم
أذلك عتب أم رضى وتودد
وأظهر من ذلك خيرًا لو قدم المستعتب بين يدي عتبه مقدمة تفسير، فيطمئن صاحبه أنها جلسة تصارح وتغافر، لا معركة تناحر، وأنه يريد أن يفرغ ما في صدره أمام كفؤ له وحبيب، ترويحا للقلوب، وقطعا لمحاولات الشيطان، لا التماسا لسبب هجر، ولا تفكيرًا باتهام.
ثم كم هي إيمانية هذه الجلسة، وكم روحانيتها لو ختما بخاتمة ابتسام يقول معه لأخيه.
قد قضينا لبانة من عتاب
وجميل تعاتب الأكفاء
ومع العتب والعتاب فإني
حاضر الصفح واسع الإعفاء
فهو تعاتب أحباب، يؤتي لجماله، وإكرامًا للذي يتوجه إليه العتاب، ليس فيه نوع انتصار للنفس، وقبول العذر بعده يكون أدعى وآكد وأحرى بالتقديم.
فعذرك مبسوط لدينا مقدم
وودك مقبول بأهل ومرحب
ولست بتقليب اللسان مصارما
خليلي إذا ما القلب لم يتقلب
وهذا هو المهم.
المهم أن القلب لم يتقلب تقلبا دنيويا تحركه الأهواء، وإنما كان يعتقد ما تمليه مصالح الدعوة فيصيب ويأتي الخطأ، ولاجتهاده المصيب أجر بعد أجر، وأما الخطأ فينتظره تغافر بين الإخوان، وغفران من الله أكبر.
فإذا عرفت السالك يسر التغافر، وغلظة الظلام: طمع واندفع نحو:
نور خامس شعاعه:
التقوى في الغضب الهاجم
فلا يتكلم إلا حقا صدقا، إذ: (يروي أن الفتنة لما وقعت قال طلق بن حبيب: اتقوها بالتقوى..)