الصفحة 43 من 172

(ألا إني لست بخيركم، ولكني رجل منكم، غير أن الله جعلني أثقلكم حملا) (1) .

وهذا الشعور هو أدنى ما تحس به الأرواح المؤلفة وتتميز به عن غيرها، فحين تزول المزايا المصطعنة، والطباع المتكلفة، ويحل التواضع، وتسود الأخوة: لن يبقي من معنى الإمارة والرئاسة إلا ثقلها الثقيل.

عمر يطور مذهب التأليف

لقد أبرد عمر حقا بكلماته هذه قلوبا طال همها واشتياقها إلى رؤية واقع يظنه الضعاف خيال مثاليات، وتحليق تمنيات.

نعم، كانت كلمات عمر وعدًا لمستقبل، وإخبارًا عن شعور متوار في كامن الصدر، ولكن كفى بوعود الأحرار ضمانًا، وبأخبارهم صدقا، ولذلك أسلس له الناس القياد، وحصل منهم تجاوب سريع معه، أحسن عمر استغلاله أيما إحسان، فطور نظرية أستاذه في التأليف، فجعل ابتداء التربية ينطلق من معالجة أعقد عقدتين في الجماعات: عقدة الفراغ، وعقدة حب الرئاسة والتنازع عليها.

فالمطالع لسيرة عمر يجد بشدة اهتمامه بعلاج هذين العيبين واضحًا وظل تأثيره في ذلك ينطق الشاعر بعد الشاعر، والحكيم بعد الحكيم يستمدون من تجربته معاني الإصلاح.

عرف عمر سيئات الفراغ، فأوجد للناس شغل خير ألهاهم، إن لم يكن عملا عمرانيا وسعيا في مصالح المسلمين، فشغلا تأمليا مع النفس، وفكرا في القلب، يفيضان من بعد عزمات فنهضات.

لقد أخرجهم من الغفلة والإهمال والبرود، إلى التذكر والفحص والاستدراك، وكفى بهذا الإخراج نجاحًا عند من يعرف تربية الجماعات، وفي خطبة وكلمات كلها تسمية وإشارة إلى عيوب النفوس، وطرق إصلاحها، وترقب الموت، ورجاء رحمة الله، وخوف عقابه، ثم زاد فاستقدم الخوارج إلى دمشق، وأمرهم بإنهاء تفردهم ولزوم الجماعة، وذكرهم ضرر الفرقة، فبات جميع الناس في شغل وادكار، بمثلهما انتفع أبو العتاهية من بعد، فاتضحت له مثالب الفراغ، فقال:

ما أحسن الشغل في تدبير منفعة……أهل الفراغ ذوو خوض وإرجاف

(1) طبقات ابن سعد 5/340.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت