الصفحة 44 من 172

فالمشتغل جاد فيما هو فيه، يربي قلبه، ويعلي همته، والفارغ الكسول يفتش في الفتن عن لهو يؤنسه.

ثم دعا عمر ثانية إلى زهد في المناصب هو أهم من الزهد في الأموال، واستخلص من الفتن التي حدثت في الصدر الأول دروسًا، ووعظ المستشرقين للرئاسة مواعظ أماتت فيهم حبها، بمثلها انتفع أبو العتاهية مرة أخرى، فحذرك:

أخي: من عشق الرئاسة خفت أن…يطغي ويحدث بدعة وضلالا

وتخوفه هذا صواب لم يبالغ فيه، فإن شرع الله وعرف المؤمنين ينفران عن طلب الرئاسة، فمن طلبها تمحل لذلك ولابد، فيزين الذميم، فتكون البدعة، ويقمع المخالفة لها ويعاديه، فتكون الضلالة، ومن نظر إلى عهد ما بعد عمر: أدرك ذلك، فإن القلوب عزفت عما قبحه وآمنت، إلا قلبا واحدًا من قلوب أقربائه، عشق الرئاسة، فسقاه السم، فمات عمر، فكان عصر الضلالة، والسنوات العجاف.

مدرسة الثوري تواصل التربية

ولما هالت المربين تلك الضلالة التي عكرت صفاء تاريخ المسلمين بعد عمر: أصفقوا على دم التنازع على الرئاسة وتحذير الأجيال اللاحقة منه، وجعلوه أصلا مستقلا من أصول التربية الإسلامية، يتجاوز أن يكون مجرد علاج واقع أرهق الذين بعد عمر.

فللثوري كلام كثير جزل في ذلك تصدر به المربين، يبذؤه بتقرير واقع الناس، فيقول:

(ما رأيت الزهد في شيء أقل منه في الرياسة) .

ورؤياه هذه ظلت تؤرقه، حتى أمسك بقلمه يكتب رسالته المشهورة، إلى صاحبه عباد بن عباد، وإلى كل عباد من الدعاة في كل الأجيال، أن:

(إياك وحب الرياسة، فإن الرجل تكون الرياسة أحب إليه من الذهب والفضة، وهو باب غامض لا يبصره إلا البصير من العلماء السماسرة فتفقد نفسك، وأعمل بنية) .

ثم جسد حقيقة ينساها طلاب الرئاسة، فذكرهم أن:

(من طلب الرياسة قبل مجيئها: فرت منه) .

أي: يبقى عليه وزر الشوق الآثم، وزفرة الصدر الراغم، ليس إلا، ويرجع صفر اليدين، وبخفي حنين، لم يذهب لأبعد من فضح نفسه أمام جمهور العاملين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت