*وكما كانت نظرية الأشكال المؤتلفة مذهبا لعبيد الله بن عبد الله جسده في جماعة عمل متآخية استدركت التفرق: كان نداء الحذر في طلب الرئاسة مذهبا للثوري جسده في جماعة زهد محتسبة استدركت تفرقا آخر، ولانت لا نفس هارون الرشيد، فشغل الناس معه بحج أو بغزو، سنة فسنة.
*وعل الفضيل بن عياض هو أهم أركان تلك الجماعة التي عضدت الثوري في شرح مذهبه من بعده، إذ صحبه وأخذ علمه، وتأخرت وفاته عنه قرابة ثلاثين سنة، كان يكثر خلالها ذم التكلف في طلب الرياسات وعلى الأخص تركيزه على كشف النفسية المعقدة الغربية التي يحملها طالب الرياسة.
يقول الفضيل:
(ما أحب أحد الرياسة إلا أحب ذكر الناس بالنقائص والعيوب ليتميز هو بالكمال، ويكره أن يذكر الناس أحدًا عنده بخير، ومن عشق الرياسة فقد تودع من صلاحه) .
ومن لم يجرب الأعمال الجماعية يستغرب مثل هذا أو يستبعده، ولكن الممارس يحفظ قصصا تصدق الفضيل أيما تصديق، فإن العمل الإسلامي حين يدع الانتقاء، ويلهيه التكاثر بالأعضاء: يدخله أصحاب التخليط ويظهر في محيطه مثل هذا الذي وصفه الفضيل.
فمن لم يزهد في الرياسة صار ميؤوسا منه عند الفضيل، أي وإن زهد في الأموال وأطيب الطعام وجمال النساء، لأن (الزهد في الرياسة أشد من الزهد في الدنيا) ، كما يقول صاحبه وصاحب الثوري، الزاهد يوسف بن أسباط.
كلام لا يقولونه اعتباطًا، بل كانت تأملاتهم في مصائر الجيل الذي عرفوه تعمل كعمل دوائر الإحصاء الحديثة، يحصون من كمل ونقص، ومن وصل ومن خانته قدمه، والعثرة التي عثرها، إن كانت في أول الطريق، أو عند الوسط، أو لما كاد أن ينتهي ولم يبق له إلا خطوة الفوز، ثم يعطونك نتائج الإحصاء في أقوالهم هذه.
تجريب وتدرج...