الصفحة 46 من 172

وأخذ الشعر أيضًا دوره في التحذير آنذاك، ولفت الشعراء أنظار المتنازعين إلى كثرة الأعداء من حولهم، وشماتتهم بالذي يحص ل بين المؤمنين، وانتفاعهم به نفعا مباشرا في عمل جاد إيجابي يستغل فرصة انشغال المؤمنين بأنفسهم، فأرسلها شاعر ذاك العصر زفرة ألم:

إن التنازع في الرئاسة زلة………لا تستقال، ودعوة لم تنصر

أو ما ترون الشامتين أمامكم………ووراءكم من مضمر أو مظهر

وهذا في الحقيقة هو الوصف الدائم لظروف وآثار كل نزاع، بل إن كثرة الأعداء اليوم، وخططهم المنظمة، تجعل المحنة الحالية أعنف محنة مر بها الإسلام في تاريخه، وتستدعي أقصى درجات الوحدة الإيمانية بين العاملين.

والنجاة من فتن اليوم لن تكون إلا باللجوء إلى الشرط الذي وضعه سلفنا بالأمس وأودعوا فيه خلاصة تجربتهم في اكتشاف مسلك الوصول الصحيح إلى الرئاسة، فإنهم لم يعترفوا إلا بالطاعة طريقا إلى القيادة، وجزموا بأن من لم يكن في آخر الصفوف، تغمره عجاجة المتقدمين، فلن يستطيع أبدًا قيادتهم إن شغر المكان واحتيج إليه.

ولذاك كانوا لا يرأس منهم……من لم يجرب جزمه مرؤوسا

من لم يقد فيطير في خيشومه……رهج الخميس فلن يقود خميسا

قانون تدج، ومرحلة اختبار، إذا أساء خلالها العامل أدب الجندية، و استعجل، وتطاول: جوزي بالحرمان، ودعوى إلى التوبة، وأرجع إلى محل البداية يستأنف المحاولة.

لا.. يا عباد الرحمن

ليس في هذا القانون اعتداء، ولا احتكار أو تجبر، وإنما هو صياغة تجريبية لسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- في اختيار الأمراء، فإنه كان يقول:

(إنا لا نولي هذا من سأله ولا من حرص عليه) (1) .

أي هذا الأمر من شؤون المسلمين.

وشدد في النصيحة الصريحة لعبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه، فقال له:

(يا عبد الرحمن بن سمرة: لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها) (2) .

(1) صحيح البخاري 9/80.

(2) صحيح البخاري 9/79.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت