مع أن عبد الرحمن نم صالحي صحابته وشجعانهم، ويكفيه أنه لما التزم وصية النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه صار قائد جيش المسلمين الذي كلف بفتح كابل عاصمة الأفغان، وكان حصنها من أمنع الحصون، وسقط عنده من شهداء المسلمين ما لم يكن في معركة أخرى.
سيد يشرح...
ولا يظنن أن هذا المنع عن طلب الإمارة سيفوت فرصة الإلتفات إلى خير صاحب الكفاية الصامت، فإن العمل اليومي يكشف ولابد كل قابلية لدى الدعاة، وهي ظاهرة يؤكدها سيد قطب تأكيدًا، فيتساءل:
(لماذا لا يزكي الناس أنفسهم في المجتمع المسلم، ولا يرشحون أنفسهم للوظائف، ولا يقومون لأشخاصهم بدعاية ما كي يختاروا لمجلس الشورى أو للإمامة أو للإمارة) ؟.
ويجيب:
(إن الناس في المجتمع المسلم لا يحتاجون لشيء من هذا لإبراز أفضليتهم وأحقيتهم، كما أن المناصب والوظائف في هذا المجتمع تكليف ثقيل لا يغري أحدًا بالتزاحم عليه -اللهم إلا ابتغاء الأجر بالنهوض بالواجب وللخدمة الشاقة ابتغاء رضوان الله تعالى- ومن ثم لا يسأل المناصب والوظائف إلا المتهافتون عليها لحاجة في نفوسهم، وهؤلاء يجب أن يمنعوها.
ولكن هذه الحقيقة لا تفهم إلا بمراجعة النشأة الطبيعية للمجتمع المسلم وإدراك طبيعة تكوينه العضوي أيضًا.
إن الحركة هي العنصر المكون لذلك المجتمع، فالمجتمع المسلم وليد الحركة بالعقيدة الإسلامية...
أولا: تجئ العقيدة من مصدرها الإلهي متمثلة في تبليغ الرسول وعمله -على عهد النبوات- أو متمثلة في دعوة الداعية بما جاء من عند الله وما بلغه رسوله- على مدار الزمان بعد ذلك- فيستجيب للدعوة ناس، يتعرضون للأذى والفتنة من الجاهلية الحاكمة لسائدة في أرض الدعوة، فمنهم من يفتن ويرتد، ومنهم من يصدق ما عاهد الله عليه، فيقضي نحبه شهيدًا، ومنهم من ينتظر حتى يحكم الله بينه وبين قومه بالحق.