ويصور لنا قتادة بن دعامة رحمه الله، وهو أحد أجلاء التابعين، تجربة فتنة رآها، ويضع أمامنا نتائجها التي رآها فيقول:
(قد رأينا والله أقوامًا يسرعون إلى الفتن وينزعون فيها، وأمسك أقوام عن ذلك هيبة لله ومخافة منه، فلما انكشفت: ذا الذين أمسكوا أطيب نفسا، وأثلج صدورًا، وأخف ظهورًا من الذين أسرعوا إليها وينزعون فيها، وصارت أعمال أولئك حزازات على قلوبهم كلما ذكروها. وأيم الله! لو أن الناس كانوا يعرفون منها إذا أقبلت ما عرفوا منها إذ أدبرت لعقل فيها جيل من الناس كثير) .
ووالله قد رأينا ما رأى قتادة، وعرفنا بعض من شارك في الفتن تكاد أجسادهم تتهدم وقلوبهم تتقطع كلما ذكروا ما كانوا فيه من العز، وما آل إليه أمرهم بعد من الإنغمار.
ولا ينجو من هذه الفتن إلا السيد، صاحب أخلاق السيادة، الحليم، المحب للتوبة، فإنه قد ينخدع بزخارف يصوغها المفتتن، لكنه سرعان ما يرجع إلى رشده وصوابه، وهو ثالث الثلاثة الذين عددهم حذيفة حين قال:
(إن الفتنة وكلت بثلاث:
بالحاد النحرير الذي لا يرتفع له شيء إلا قمعه بالسيف.
وبالخطيب الذي يدعو إليها.
وبالسيد.
فأما هذان فتبطحهما لوجوهما.
وأما السيد فتبحثه، حتى تبلوا ما عنده).
فالحاد النحرير ليس له رجاء النجاة.
والخطيب فيها صاحب سيف أيضًا، كما قال ابن عباس في بعض ما يؤثر عنه: أن سيفه لسانه، فهو مع صاحبه.