الصفحة 94 من 172

فإني انضاف إلى مثل هذه الكذبة في الزيادة، أو النقصان، أو لهجة الرواية: نشر لها في المجالس، وسفر رسل صاحبها بها في الأقطار والأمصار: خيف على صاحبها أن يكون ذاك الرجل الذي رآه النبي -صلى الله عليه وسلم- في رؤياه المرعبة المخيفة لما أتاه آتيان فانطلقا به، فمر به:

(على رجل مستلق لقفاه، وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد، وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه، فيشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاهن ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل المرة الأولى.

قال: قلت سبحان الله! ما هذا)؟.

قالا:

(إنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق) (1) .

ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يرى إلا حقا.

فليحذر صاحب الهوى أن يكذب كذبة ينصر بها هواه إلى حين سريع الزوال، فتبلغ كذبته الآفاق، ويحملها البريد، وتنزل بها حروف المطابع، فتزل بها أقدام، فيفعل الزبانية بشدقه ومنخره وعينه مثل ما فعلوا بهذا الذي رآه النبي -صلى الله عليه وسلم-.

ولمثل هذا كان عقلاء الناس دوما يرون للصدق مكانة أرفع من مكانته التي يراها له العامة، مثل إياس بن معاوية بن قرة الذي هو من سادة الثقات ودهاة العلماء، فإنه كان يقول:

(امتحنت خصال الرجال، فوجدت أشرفها: صدق اللسان) (2) .

وإن صدقا في مساومة على شراء طعام في سوق لهوى أهون من أن يحفل به هذا النابغة هذا الاحتفال، لكنه كان يريد معنى وراء ذلك، يعرفه الرجال.

صدقا عرفه الحافظ المحدث إسحاق بن راهوية الحنظلي، فتناوله، فأدى به إلى الإمامة وسيادة الآفاق، فقال تلميذه الإمام الدرامي:

(ساد إسحاق أهل المشرق والمغرب بصدقه) (3) .

(1) صحيح البخاري 9/56.

(2) تهذيب التهذيب 1/391.

(3) طبقات الشافعية 2/86.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت