*فقارن بين أرض صامتة، وسندان قانع صابر، وبين صوت أزعج الأسد، فأرسل كليلة ودمنة يستجليان الخبر، فوجداه طبلا معلقا في شجرة تحرك الريح غصنا فيقرعه، فشقاه بأظفرهما، فنام ملك الغابة مستريحا!!
*وليكن شعارك أن: لا لغو، ولا أصوات، بل استمتاع بأضواء بعد أضواء.
فالتفت يمينا الآن، تجد مصباح:
النور الحادي عشر، يلمع بفضائل:
الإمساك عن الجدل
ويقال له أيضا: المراء، وهو من لوازم إقلال الكلام وناتجه، ومن مكملاته التي تتم زينه.
فالجدل خلق ردئ كثير السوء، وتتجسم آثاره في الجماعات بشكل أبرز مما يلحق الأفراد منه، فإن الفرد قد لا يتجاوز أن يجد ضيقا في صدره إن تجادل مع صاحب له بمعزل وعلى انفراد، ولكن الجماعة التي يتجادل فيها اثنان، على مسمع من البقية، تحرم من الخير المقترب منها، ولو لم تتعدد فيها جهات الجدل وأعداد المتجادلين، كأن من طبيعة الخير أن يجفل من قليل الصخب، ويأبى الدخول على قوم لا يستقبلونه بسكون، ولو كانوا صالحين.
ففي صحيح البخاري:
(أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خرج يخبر بليلة القدر، فتلاحي رجلان من المسلمين، فقال: إني خرجت لأخبركم بليلة القدر، وأنه تلاحي فلان وفلان فرفعت، و عسى أن يكون خيرًا لكم. إلتمسوها في التسع والسبع والخمس) (1) .
والملاحاة: هي المنازعة والمخاصمة التي تتضمن جدلا، وفي صحيح مسلم أنهما كانا: (يحتقان) أي يدعي كل منهما أنه المحق دون صاحبه.
وتعبيره -صلى الله عليه وسلم- بعسى: من باب التأويل بالمتسحب، إشارة إلى ما سيكون من زيادة بذل المجهود التماسها، وإلا فإن في الجزم بتعيين ليلة القدر من الخير للأمة الإسلامية في جميع أجيالها ما هو ظاهر لمن عرف قيمة الدعاء.
ولمثل هذا السلب جعله التابعي مسلم بن يسار جهلا يجد الشيطان خلاله مجالا، فقال:
(إياكم والمراء، فإنها ساعة جهل العالم، وبها يبتغي الشيطان زلته) .
(1) صحيح البخاري 1/20.