وكنت تسلم إذ الناس يخوضون) (1) .
فاستغفر له من حضر، فهي في يمينه حجة يوم اللقاء، وهي في الكتاب موعظة لأولى الألباب تحركهم إلى شراء السلامة من وريث لابن السماك.
*وعلى درب الصمت نفسه سار الجواليقي اللغوي، صاحب إعراب القرآن، وأحد أعيان ثقات فقهاء الحنابلة ببغداد، فكان:
(طويل الصمت، لا يقول الشيء إلا بعد التحقيق والفكر الطويل) (2) .
صمت السندان!
*وتلاه الشيخ العارف عبد القادر الكيلاني، قدوة الحنابلة بالعراق في القرن السادس، والمربي المستدرك، فقد عرف خبر من تقدمه، ورأى أثر منقبتهم، ثم التفت فرأى واقعا يعبث فيه اللهو فسادًا، وبقايا أنصار البدع البويهية وفلول المعتزلة تتربص لاغتنام فرصة عودة إلى التسلط، فصار يركز في تربيته للألوف التي تحضر مواعظه على ضرورة العمل الصامت.
(أريد منكم أعمالا بلا كلام.
العارف العامل لوجه الله سندان يدق عليه وهو لا ينطق.
أرض يمشى عليها تغير وتبدل وهو أخرس) (3) .
هكذا، كالأرض المعطاءة الخيرة هو الداعية، تخضر، ويعلو نباتها ويحصد، فينفع الناس، منهم الشكور ومنهم الكفور، وهي ساكنة راضية.
وكسندان الحداد، كتلة صلب، تنزل عليه المطرقة مرة بعد مرة، شديدة موجعة، وهو هادئ ، قانع بما يحمل للناس من خير ونفع.
أو: هو كغلام الطبيب جالينوس، فقد كان جالينوس لا يعلم أحدًا، ولا يوظف مساعدًا، خوفا من شيوع أسرار طبه، فتظاهر غلام بالتخارس والسذاجة، فقبله جالينوس واختاره مساعدًا، حتى حفظ علمه على غفلة من أستاذة، فنطق.
(أما سمعت بغلام جالينوس الحكيم كيف تخارس وتباله وتساكت حتى حفظ كل علم عنده؟) (4) .
وكذلك العلوم والحكم، تتعزز وتتأبى، تريد من يتملق لها بالوداعة.
(1) تاريخ بغداد 8/355.
(2) ذيل طبقات الحنابلة 1/205.
(3) الفتح الرباني 46/38.
(4) الفتح الرباني 46/38.