(كانوا يقولون: إن لسان الحكيم من وراء قلبه، فإذا أراد أن يقول: يرجع إلى قلبه، فإن كان له: قال، وإن كان عليه: أمسك وإن الجاهل قلبه في طرف لسانه لا يرجع إلى القلب، فما أتى على لسانه تكلم به) (1) .
* ويتولى علم السير تعريفنا بحكيم من هؤلاء الذين عناهم الحسن، يعرض كلامه على قلبه، فلا ينطق قبل أن يعد لنفسه جوابًا.
اسمه: حاتم الأصم، زاهد قديم رأوه قليل الكلام، فسألوه، فقال: (إني لا أحب أن أتكلم كلمة قبل أن أعد جوابها لله، فإذا قال الله تعالى لي يوم القيامة: لم قلت كذا؟ قلت: يارب: لكذا) (2) .
*وعد الفضيل بن عياض كثرة الكلام خصلة من ثلاث خصال تقسي القلب، وزاد فجعله مرة أخرى علامة من علامات النفاق إذا اقترن بقلة العمل، فقال:
(المؤمن قليل الكلام كثير العمل، والمنافق كثير الكلام قليل العمل) .
فطلب من حملة القرآن، من أجل ذلك، أن يقفلوا أفواههم إلا من حديث خير، فإن:
(حامل القرآن حامل راية الإسلام، لا ينبغي له أن يلغو مع من يلغو، ولا أن يلهو مع من يلهو، ولا أن يسهو مع من يسهو) .
وليس أوعظ من أن يتصور أحدنا نفسه مع أولئك اللاغين الازحين من طلبة الحديث المخالفين لأعراف شيوخهم، والفضيل يشترط غضبا وينادي:
(مهلا يا ورثة الأنبياء، مهلا يا ورثة الأنبياء، إنكم أئمة يقتدى بكم) .
وإنها لحقيقة يذكرنا بها الفضيل يجب أن لا تغيب عن بالنا.
إن مجرد حملنا للقرآن، وطلبنا للحديث يضعنا في مقام القدوة والإمامة، ولابد من وفاء حق هذا المقام.
*ويمر بنا طريق الصمت على آخر من الزهاد اسمه:
داود الطائي، زاد فاشترى من الناس بصمته شهادة خير تنطق يوم يسأله الله، سلمه إيها ابن السماك يوم موته، في وقفة على قبره، حين فرغوا من دفنه، فناداه أمام الجمع المحتشد:
(يا داود:
كنت تسهر ليلك إذ الناس ينامون.
وكنت تربح إذ الناس يخسرون.
(1) الزهد لابن المبارك/131.
(2) تاريخ بغداد 8/243.