الصفحة 89 من 172

ففي الزمن النبوي الكريم لم تكن هناك فتنة عارمة غير فتنة النفاق التي تتابعت آيات القرآن تجزم أنها غير ضارة مسيرة الإسلام، فكان الصحابة يواجهونها وهم على يقين تام من التغلب عليها، يرونها شوكة في الطريق ليس غير.

لكن من شأن الجماعات العاملة أن يكون فيها خلاف في وجهات النظر واجتهاد متباين، وأن يندس فيها الضعيف الطامع، والعدو المخرب، فأراد حذيفة أن يحتاط، فقبل النبي -صلى الله عليه وسلم- احتياطه، فحدثه وشرح له، لننقل نحن لدعاة الإسلام اليوم حديثه، وحديث من شرح حديثه من فقهاء العمل، ونتأمل فيما تحقق منه ووعته الأمة تجربة من تجاربها، فنقيس عليه، ونستخلص منه العبر.

قافلة السكينة تتهادى

ومن طبيعة أنوار الفطنة أنها مستمرة الإشعاع، ولذلك نرى نور الإقلال من الكلام يرسل حزم ضوء هادية أخرى تستهل بسبب ثان يدعو عمر بن عبد العزيز إلى السكوت، فيقول: (إني لأدع كثيرا من الكلام مخافة المباهاة) (1) .

وهذا من أخفى الأبواب التي يقتحم منها الشيطان على الداعية، إذ تأتيه بعض البلاغة، سليقة أو تكلفا وتصنعًا، فتعجبه، فيقول من غير نية تعليم أو نصح، فلا يبارك الله بها، ولا يأبه أصحابه لها بالا، فيتعصب لها، ويجد في قلبه شيئا تجاههم يضعف مشاعره الأخوية.

* وتظل مسوغات الصمت الأخرى من بعد هذا تستجلب لها خيارًا آخرين، كما ا ستجلبت المهلب وبشرًا لحافي، فيقول التابعي الكبير عطاء ابن أبي رباح:…

( إن من كان قبلكم كانوا يكرهون فضول الكلام، وكانوا يعدون فضول الكلام ما عدا ثلاثًا:…

كتاب الله أن يتلوه.…

أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر.…

وأن ينطق بحاجته التي لا بد منها).

* ويضر الحسن البصري -إذ يختار لنفسه الصمت- مثلا للمفكر والمهذار يقول فيه:

(1) طبقات ابن سعد 5/368.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت