الصفحة 88 من 172

بذل لذيذ، ونصر يتوالي.

عنوان صادق للسنوات الأخيرة من عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-عكس طابعه الكامل على المهاجرين والأنصار رضوان الله عليهم، فتركهم يتقلبون في أنواع من الفرح غامرة، يستشعرون حمدا من أحكام الفروض والمندوبات والحرام والمكروهات ينزل به جبريل عليه السلام من السماء كل يوم، أو ينطق به النبي -صلى الله عليه وسلم- فينحسر مع كل نزول ونطق خلق من الجاهلية بشع، ويكتب عليه الجلاء ويزاح، ليتاح لهم مجال أن يسألوا عن مكملات الخير الذي هم فيه.

إلا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، كان لا يقنع، فما أن يشارك إخوته من الصحابة فرحهم هذا حتى تلذع ابتسامة قلبه تخوفات من احتمالات شر مبهم يراه مقبلا، يجهل صفته وعلامته، فيظل وجلا، حتى ينعته رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويذكر له بوادره ومقدمات التي شتنبهه يوما ما إلى الاحتياط ورفع صوته بأذان التحذير.

كان يريد علما يكمل علم الخير، فصار يحرص على أن يخلو برسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسأله:

يقول حذيفة:

(كان الناس يسألون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني) (1) .

فأتقن علم الشر بهذا الحرص، وأحاط خبرا بما سيكون من فتن وسوء ونفاق، حتى احتاج إلى علمه كبار الصحابة، وطفق مثل عمر رضي الله عنه يسأله ويستشيره.

والمغزى الأكبر هنا يكمن في استجابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لحذيفة، وجوابه له، وقبوله تعليمه علم الشر.

لم يقل له: إننا في خير، ونسير من نصر إلى نصر، فاصرف عنك الهواجس، بل أجابه وأعلمه.

وإنما تستمد نحن مسوغات تطرق بحوث فقه الدعوة لعلم الفتن والقواصم، وما ينجي منها من الأنوار والعواصم، من مواطأة النبي -صلى الله عليه وسلم- لحذيفة وتزويده له بما أراد.

نتعلم علم الشر كي نراه ونميزه قبل أن يغزونا.

(1) صحيح البخاري 9/65.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت