إن نصيحة قادة العدل الذين يتحرون السير على موجب فقه الراشدين غير مواقف العلماء الجريئة في الإنكار على الظلمة والمبتدعة، وإنما ندعو نحن إلى مسارة لا في مثل هذه الأمور التي يحتاجها الناس في أمر معاشهم اليومي، بل فيما يتعلق بسياسة الجماعة الداخلية والخارجية ومواقفها العامة، وفي أيام الفتنة خاصة، خوفا من استغلال أصحاب الأغراض للنقد المعلن، أو اغترار المخلصين السذج وأصحاب التجربة القليلة بظاهرة، إذ تصبح النصيحة في موطن يوجد فيه مثل هؤلاء مترددة بين مصلحتين: مصلحة علانية النقد، ومصلحة عدم إتاحة فرصة لاستغلال المغرض أو لاغترار الساذج به. وبين ضررين: ضرر الاقتصار على إسماع النصيحة لنفر قليل فقط، وضرر الاستغلال والإغترار، فيعمل بالقاعدة الفقهية العامة في دفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما، وجلب أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، وهي قاعدة أجمع الفقهاء على اعتبارها ويقرها العقل، وتوجبها التجارب الوافرة في تاريخ الإسلام القديم والحديث.
بل وإن عمر رضي الله عنه قد أسرع هو نفسه قبل غيره إلى الامتناع عن بحث الأمور العامة أمام الجمهور الواسع الذي قد يضم المغرضين والسذج، واقتصر على إسماع من يظن فيه الفقه والنبل فحسب، وذلك حين أراد أن يقوم في مكة أيام موسم الحج خطيبا ليفند لغطا لغط به بعض الجهال حول بيعة أبي بكر رضي الله عنه وأحداث يوم السقيفة، فقال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه.
(يا أمير المؤمنين: لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها عنك كل مطير، وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة، فإنها دار الهجرة والسنة، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكنًا، فيعي أهل العلم مقالتك، ويضعونها على موضعها.