الصفحة 83 من 172

فقال عمر: أما والله إن شاء الله لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة) (1) .

فها قد تضافر لدليلنا من جديد: رأي ابن عوف، وفعل عمر، رضي الله عنهما.

وهكذا الداعية: لا يضع كلامه إلا عند من هو أهل لوعيه، وليعتبر بما رأينا في الفتن، فإنها تكون أول ما تكون خفيفة، ثم يتلقف أصحاب شهوة الرياسة نقد الثقات، ويزيدون فيه عشرة أمثاله، فيكون هدمًا.

إن الداعية الفطن الكيس إن كان عنده قول يري أن لا بد من قوله لغير قادته فإنما يقوله لأهل الفقه من الدعاة وأشرافهم الذين تأدبوا بآداب السنة طويلا، ويسارر به، لا يوزعه هاهنا وهاهنا.

يسارر، أو يتحرى الحلماء النبلاء العقلاء القدماء، أصحاب الأقدام المنظور المأثورة، ثم يسرع بعد أن ألقى التبعة نحو:

النور العاشر، وهو:

الإقلال من الكلام

فإنما يسألك الله عن فصاحة قلبك لا فصاحة لسانك، ولا شك أنها مسألة نسبية مسألة اللسان، فليس أحسن وأبلغ من سكوت إذا كثر اللغط، ولا أجمل من كلام الناصح الآمر بالمعروف إذا أصلح.

فالمؤمن:

(يحسبه الجاهل صميتا عيبا، وحكمته أصمتته، ويحسبه الأحمق مهذارًا، والنصيحة لله أنطقته) .

وهو ذاك النموذج الذي رآه الشاعر:

ضحوك السن: إن نطقوا بخير

وعند الشر: مطراق عبوس

تكلم وسدد ما استطعت فإنما

كلامك حي والسكوت جماد

فإن لم تجد قولا سديدا تقوله

فصمتك عن غير السداد سداد

وهذا هو عين الصلاح الذي أراده الصالحون لكل لسان، فمن صلح لسانه عندهم، أي نطق بالخير وسكت حين الفتن: صلح عمله كله، وفي ذلك كان التابعي يونس بن عبيد يقول:

(خصلتان إذا صلحتا من العبد صلح ما سواهما: أمر صلاته، ولسانه) .

ثم زاد فقال:

(ما صلح لسان أحد إلا وصلح سائر عمله) فهو المفتاح المبارك، ولود الخيرات، من أصلحه تفتحت فيه البصائر، وهجر الكبائر والصغائر.

الكلمة الطيبة ترفع درجات

(1) صحيح البخاري 8/209.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت