لكن، لو تعامل الدعاة بالنيات، والقناعة، والتواضع، والشكر على نعمة الإسلام والانتساب للدعوة، لوهبهم الله صواب الخطو بلا تكلف، ولما احتاجوا إلى ميزان وتدقيق، ولغشيتهم السكينة التي ينام أهل الأرياف في ظلها، غير أن فيهم نفرًا يطففون.
حقيقة يجب أن نعترف بها.
لقد تعقدنا بعض التعقيد، وتركنا سمت البساطة، ومازج التكلف طبيعتنا المنسابة المنسرحة الهينة اللينة التي أودعها الرعيل الرائد فينا، ولابد من علاج بمتابعة طلب هذه الموازين الأنوار.
شبهة معترضة
ولقد وصف النور التاسع بأنه ساطع، لما للمسارة في نصيحة القادة من بريق لامع يحرم الفتن من بيئتها الطبيعية التي تتوالد فيها، ولكن ربما ظن داعية أن المسارة في النصيحة تنافي طبائع الإسلام وسمته في الحث على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ورأى في إنكار المرأة على عمر رضي الله عنه في المسجد جهارًا دليلا ينفي نورانية المسارة.
والأمر ليس كذلك عند من عرف مقاصدنا، إذ لو افترضنا صحة قصة إنكار هذه المرأة على عمر -التي يضعفها الشيخ محمد ناصر الدين الألباني- وفحصنا فحواها، لما وجدنا لها علاقة بسياسة أو عقيدة أو موقف عام جماعي، وإنما تتناول أمر مهور الزوجات، أو أمر توزيع بعض العطايا على من له حق في بيت المال، في قصة أخرى تروى، فضلا عن أن العامي المجهول الذي اعترض أو المرأة المجهولة، لا يصلح عملهما أن يناهض الأدب الذي اختاره سعد بن أبي وقاص أو أسامة، وهما على ما يعرف عنهما من الفقه والتجربة، ولا أن يكون مصدرًا لأصول الدعوة وابن حجر يفتيك بعد ابن عكيم بوجوب الإسرار عند خوف المفسدة.