إخلاصا يتجاوز معناه الوعظي العابر الذي تلوكه السن القصاص، إلى تأمل استقرائي صامت، يحصي ما جنته النيات المشوبة الممزجة من موبقات وكبائر أضرت بسير الحركة الإسلامية الحاضرة، وهزته وأرادت له الحيدة عن خطة المستقيم، لولا أن الله عصم القادة، ومن عليهم بثبات وسكينة.
من أجل ذلك أوصى فقه الدعوة أن من لم يتعظ فيسارع إلى تنقية نيته: سارعنا نحن إلى تنقية الجماعة منه.
بها جزم الإمام البنا فقال:
(إن الإخلاص أساس النجاح، وإن الله بيده الأمر كله، وإن أسلافكم الكرام لم ينتصروا إلا بقوة إيمانهم وطهارة أرواحهم، وذكاء نفوسهم وإخلاص قلوبهم، وعملهم عن عقيدة واقتناع جعلوا كل شيء وقفا عليها، حتى اختلطت نفوسهم بعقيدتهم، وعقيدتهم بنفوسهم، فكانوا هم الفكرة، وكانت الفكرة إياهم، فإن كنتم كذلك ففكروا، والله يلهمكم الرشد والسداد، واعملوا، والله يؤيديكم بالمقدرة والنجاح، وإن كان فيكم مريض بالقلب، معلول الغاية، مستور المطامع، مجروح الماضي، فأخرجوا من بينكم، فإنه حاجز للرحمة، حائل دون التوفيق) (1) .
أنظر قوله: إنه حاجز للرحمة، ودقق في تاريخنا القريب: كم من قصة وواقعة لها لسان يتهم الشرط المتساهل في التجميع بحجز أشكال الرحمة المتعددة، من نصر و تمكين، وسكينة وطمأنينة، ووحدة ووفاق؟
إن الكثير من عثرات السير مردها إلى أهل الشوائب الذين احتضنتهم الجماعة على سذاجة منها، وفي غفلة من نفسها.
وقديما قال ابن الجوزي صادقا:
(إنما يتعثر من لم يخلص) (2) .
وهو إن كان يعني بذلك الفرد، إلا أن للمجموعة أيضًا قلبا واحدا مشتركًا يضره مرض البضعة الصغيرة منه كما يضر مرض بعض قلب الفرد ذاك الفرد، فإذا مرض داعية برياء: تضررت جماعة الدعاة كلها بمرضه، وتعثرت ومرض قلبها، حتى يتخلص منه بتوبة، أو تتخلص منه بإبعاد.
وقبل ابن الجوزي بقليل كان الكيلاني ينادي:
(1) مجلة (الدعوة) عدد 50.
(2) صيد الخاطر/355.