(يا غلام: فقه اللسان بلا عمل القلب لا يخطيك إلى الحق خطوة. السير سير القلب) (1) .
ومعناه الجماعي كذلك أيضًا، فإن مما يخشى على الدعوات أن تطيل لسانها، فتكثر تأليف الكتب، وتتخذ لها من الصحف ميدانًا، وتتعب درجات المنابر بخطبائها، وتترك تأليف الأرواح وتربية القلوب، فتقف لا تخطو نحو التمكين خطوة، كوقفة غلام الكيلاني.
وربما كان الضرر أبلغ من ذلك، فإن التعثر يبقى السير معه مستمرًا، والوقوف يحفظ الجماعة سالمة قائمة على الأقل، لكن تلبس الجماعة كلها بالرياء قد يدفعها في طريق الاضمحلال الذي شاهده التابع الربيع بن خثيم في أعمال الآحاد فقال:
(كل ما لا يراد به وجه الله: يضمحل) (2) .
فرياء الجماعات ليس بغريب، بل شوهد في التاريخ الفكري والسياسي مرارًا، متلبسا شكلا من التكلف للاصطلاحات، ومن التبني للاجتهادات الشاذة التي ربما زل بها لسان الفقهاء الأقدمين والمحدثين، أو مندفعا في طريق التكاثر بالأعضاء على حساب النوعيات.
والظلام يزحف تدريجيًا مع أشكال التراجع الثلاث هذه، فإن العاثر حين عثرته يكون رأسه أقرب إلى الأرض، ملتهيا بتخليص نفسه من هوية، فينقطع عن رؤية المنار حينا، والواقف يخدره السكون فتأتيه سنة أو نوم، فيغتمص جفنه، وشأن المضمحل أوضح، وبذلك يتحقق كون الرياء من ظلمات الفتنة، وكون الإخلاص من أنوار الفطنة.
وبسبب ظلمته هذه وصف زاهد الصحابة شداد بن اوس رضي الله عنه الشهوة التي تقترن به بأنهاخفية، فإنه، حين حضرته الوفاة وطلبوا منه وصية يودع خلالها خلاصة فقه في العمل قال:
(إن أخوف ما أخاف عليكم، الرياء، والشهوة الخفية) (3) .
أي أنها تتسلل مستغلة ظلام الرياء.
ومع هذا فإن الاستدراك في هذا الباب بسيط جدًا، فقد سئل التابعي طلحة بن مصرف عنه، فأرشد المرائي إلى أن يقول:
(اللهم اغفر لي ريائي وسمعتي) .
هذا فقط من لسان ندم.
(1) الفتح الرباني/39.
(2) طبقات ابن سعد 6/186.
(3) زهد ابن المبارك/ 393.