وإنما ثمن هذا الأساس المتين: أن يرفع الدعاة القواعد من التنظيم بشمول محيط وميزان، وأن يرمموا ما استهلكته الشبهات حين كانت تمر في ثنايا الأيام.
فلا بد من رأب كل الصدوع…
وجمع الصفوف، ودرء العلل
ولابد من قصد ذات الإله
وحشد القوى، ليصح العمل (1)
ومعنى ذلك: أن نلجأ دوما إلى تربية تسلك بنا في مسارين دائمين، وخطين متكاملين:
مسالك التجرد الإيماني، ونيل الرضا الرباني، باطراح شهوة النفس، وتعليم تمييز الإلقاء الشيطاني، من خلال تأسيس تكتل ينوي عملا حركيا فكريا سياسيًا، يتجاوز أشكال التعاون الاجتماعي الخيري.
ومسار الاستدراك بعلاج ما هنالك من عيب طرأ بعد صحة، أو نقص فضح المنظر بعد كمال، من خلاف، أو تخطيط، أو سير بلا تحديد تخطيط. وأنوار الفطنة التي أضاء منها أول ما أضاء نور الاستعاذة بالله من الفتن، هي أنوار أوقدت لتنير مراحل من كل هذين المسارين، فهي تؤنس المؤسس الرائد، كما تهدى العاثر المنيب.
فالعائذ بالله المستغفر يتوغل في دربه على ضوء:
النور الثاني، وهو:
تنقية النية مما علق بها من شوائب
نور أناره خالد رضي الله عنه يوم احتدمت اليرموك فقال:
… (إن هذا يوم من أيام الله، لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي، أخلصوا جهادكم، وأريدوا الله بعملكم، فإن هذا يوم له ما بعده) (2) .
ونقول بالذي قال:
(إن أيامنا هذه التي نصاول فيها جاهلية القرن العشرين لاستئناف الحياة الإسلامية إنما هي من أيام الله التي لها ما بعدها، فإنه لا ينبغي للداعية أن تجره فتنة إلى فخر وتطاول على أصحابه، ولا إلى بغي وعدوان على ذي إمرة قد بويع.
(1) هذه الأبيات الأربعة للأميري في ألوان طيف/99.
(2) تاريخ الطبري 3/395.