لكن عبد الوهاب عزام ضرب مثلا تشبيهيا انتقل منه إلى التفهيم فأجاد، فافترض للمتشائم أنه في حجرة مقفلة سوداء، أليس يبقى من حولها ضوء الشمس؟
حجرة ملؤها الظلام حوتني
وحوتها أشعة القمراء
فلما أثبت هذه الحقيقة: قاس للمتشائم حالة عليها، فقال معقبا:
رب نفس تلفها ظلمات
وهي في عالم كثير الضياء (1)
أي كذلك النفس أحيانًا، تضع نفسها في الظلام باختيارها والضياء من حولها كثير وافر، حتى تنسى تدريجيًا أن هناك ثمة ضياء عافته، فتنكر وجوده، فيعجب المستنيرون، فيزداد المحبوس الواهم إنكارًا، ويظن العجب تكلفا وملاحاة، فيفتتن، ويصرخ في حجرته المغلقة السوداء، فلا يجد إلا صدى الظلمات، فيزداد فتنة، يظن الصدى تأييدًا.
لكن الذين فطنوا لمثال عزام في الساحات وعرصات العمل ماضون، تغمرهم أنوار الفطنة، وتغشاهم السكينة.
إنه الخبر القديم الحديث لأنوار الآمال وظلمات الفتن، ليس هو خبر من نراهم اليوم فحسب، فإن عبد القادر الكيلاني صادف المستظلمين، فوضع لهم معادلة قصيرة سهلة، لو أدركوا لخرجوا من تيههم، فقال:
(إذا خرج الزور: دخل النور) (2) .
زور سوء الظنون في القلب، المسبب للتشاؤم وعبوس الوجه، فالظلام.
ابتسامة الحياء مفتاح الأنوار
وخروج الزور يكون بالابتسامة وبانشراح الوجه عند اللقاء، فإن فيهما حماية أكيدة من الوقوع في أخطاء الظنون والتعرض لسهام الوسوسة، وما أكفهر وجه وعبس إلا ترك في نفس المقابل من التصارح والتناصح.
أفلا ترى أن الطلاقة جنة
من سوء ما تجني الظنون ومعقل؟
ولا يطاوع الابتسام الفم إلا بلزوم حسن التأويل، يرى الداعية الخطأ والاجتهاد المخالف فيسبق صاحبهما إلى تلمس العذر والتبرير، ويميل إلى أجمل تفسير، ثم يحرص على أن يقرن الابتسامة والطلاق بحياء لتتميز عن ابتسامة الاستصغار، التي قد يزينها الشيطان بل يتخلق بخلق البهاء زهير حين فخر فقال:
(1) ديوان المثاني لعزام/69.
(2) فتوح الغيب لعبد القادر/37.