وعبر عتاب سريع من الداعية لأذنه، يلتفت خلاله إلى مناد يناديه أن: (يا أيها الرجل: لا تكن كالمنخل، يرسل أطيب ما فيه، ويمسك الحثالة) (1) .
ويتعهد له أن يشيع أطيب ما يسمع، ويستر لفظ المستعجل النادم، وخيالات الحالم النائم:
ينتقل رابعا إلى عتاب طويل لعينه. يسألها أولا: لم تخطئ فتختار الجفاف وتقحط؟
وصواب من مقلة: أن تصوبا.
كما يقول الشاعر:
فصوابها أن ترسله وابلا صيبا على أرض الأخطاء، بين يدي رب غفور يحب أن يتملق له عبده بالدمع، ويحب أن يسمعه، في الثلث الآخر من الليل، وبالعشي والإبكار، يحاسب نفسه ويلوم، ويكرر مع ابن القيم يخاطب نفسه أن:
(لله ملك السموات والأرض، واستقرض منك حبة، فبخلت بها. وخلق سبع أبحر، وأحب منك دمعة، فقحطت بها عينك) (2) . ويظل يرددها حتى يظن أنه قد استوفى إنذارها.
لا تظلم نفسي باختيار الظلام..
ثم يعاتب عينه من بعد ثانية: لم تنظر ضياء العمل الإسلامي ظلاما؟ ولم تتشاءم بدل أن تتفاءل لدعوة الإيمان بالخير؟
نعم صعب هو الوصول لدولة القرآن، ولن يأتي ادهر بعجيبة من دون جد.
لكنه ضياء كله العمل لها، ليس بظلام، وإن ظن المستعجل وجود تباطؤ أو تعثر.
وهل أسطع من ضياء النية، وضياء الأجر، وضياء الأخوة؟ إن طول الطريق لن يعدم هذه الأضواء أبدًا، ولئن يرجع الداعية بها وحدها خير له من قعود يوسوس به التشاؤم.
ولكن بعض الدعاة يظلمون أنفسهم بنظرة متشائمة إلى مستقبل الدعوة، ويتهمون التخطيط والقادة والرعيل، فيعتزلون مجالات العمل الوضاءة وهي من حولهم تنادي وتهيب.
وإنما الظلام ظلام المتشائم فحسب، إذ حبس نفسه عن الضياء، والأضواء تنير درب غيره.
وتفهيم المتشائم بهذه الحقيقة معضلة صعبة، فإن فاقد الشيء لا يعطيه، ولا يستطيع تصور ما نقول والتصديق بوجود الأضواء.
(1) سراج الملوك/14.
(2) الفوائد لابن القيم/67.