الصفحة 57 من 172

(القلوب كالقدور في الصدور، تغلي بما فيها، ومغارفها: ألسنتها، فانتظر الرجل حتى يتكلم، فإن لسانه يغترف لك ما في قلبه، من بين حلو وحامض، وعذب وأجاج، يخبرك عن طعم قلبه: اغتراف لسانه) .

تشبيه قد يكون ساذجًا كما يبدو لأول وهلة، لكن فيه روعة الحقيقة، وصدق الوصف. اغتراف اللسان يذيقك طعم القلب، ما كذب والله وما غلط، ولم يتقدم بين يدي الله المستأثر بعلم ما في الصدور، لكنها فراسة الإيمان: تسمع حركات اللسان وتميز نغماته، فترى الذي يجيش بين الضلوع.

ثم يأتيك صحب من دعاة بعد هذا، يملأون ليلهم رئاء ومراء، وتشقيق كلام وتدقيق ألفاظ، والفرص تمر من بين أيديهم ومن خلفهم، يرقبون أن تتدلى لهم عجيبة الدنيا الكبرى في استئناف الحكم الإسلامي بحبل تدليا، ويحملون بقطاف لم يتقنوا سقي ثمره، ينسون أن الدهر لا يأتي بالعجائب، وإنما هي تضحيات، الرجال وخالصات الفعال، لا اللغو، ولا تقليب الكفوف والمناحة على واقع المسلمين.

وصحاب في جدال

ومضي غير صائب

يرقبون الدهر أن

يأتي عنهم بالعجائب

فإذا واتتهم الأيام

فالربآن سائب

وتضيع الفرصة المثلي

ولا تجدي المنادب

ضل من يأمل أن

يقهر باللغو المصاعب (1)

ولئن سألتهم: لم التشقيق والتدقيق؟

ليقولن نريد الفقه، ونبغي الوعي، ونتقن التخطيط، وهم بذلك قد أخطأوا من حيث أصابوا، واختلط الحق الذي ذهبوا إليه بباطل من مخالفة أحكام التفاضل، فإنهم تمسكوا بفرع على حساب أصل، ودندنوا حول سنن قد تفوت معها فرائض الأخوة، ووعي قد تنسى الأرواح بعده دروب التأليف.

ولو تأملوا بهدوء وحسبوا ووازنوا، لعرفوا أن لقاء الدعاة الهادئ، تحت جناح التحابب والاحترام المتبادل: خير من طلب صاخب للوعي، فإنه لو لم يكن في اللقاء إلا تثبيت بعض الدعاة لبعض، وإلا السناد النفسي في مثل هذه المحن الشديدة والضراء الطويلة، لنال لقاؤهم وصف النجاح، لكنهم صحب يستعجلون.

لماذا الجفاف يا عين؟

(1) للأميري في ديوان ألوان طيف/400.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت