فلا نحن ممن ييأس العمل منهم فيتركهم وهو في مأمن من اللوم، لقدم الدعوة ذاك، ولا نحن بالمشمرين حق التشمير فنريحه، بل يعوقنا قدم الدنيا عن سرعة انطلاق عرف بها جيل الدعوة الأول إلى أ'لام لا زالت مرفوعة والله لنا كما رفعت له.
وما هي إلا ساعة عتاب واحدة تنهي تعدد الولاء لو تدبرنا.
هزة إيقاظ، لكتف غفلة، من لسان صراحة يعرف كيف يقول:
تيقظ، تيقظ.. تيقظ
تيقظ، فإنك في غفلة
يميد بك السكر فيمن يميد
تنافس في جمع مال حطام
وكل يزول، وكل يبيد
كأنك لم تركيف الفنا……
وكيف يموت الغلام الجليد
وتنقص في كل تنفيسة
وأنك في ظنك قد تزيد
فهي الأحلام وأضغاثها تخدع... توهمنا أننا نريد، وإنما هي الأنفاس تواصل نقصها، والسكر بالتكاثر يميد بنا فيمن يميد.
مصاعب.. ولا صمت لها..
ويعاتب الداعية من بعد لسانه: لم يستحل اللحن والهذر والجدال؟ ولو فقه المرء لأدرك أن صدق الاندفاع يغني عن صدق اللسان أصلا، فهو في غير حاجة إلى كثرة كلام لو كان صادقا.
والداعية يسبق بفعله قبل أن يفصح بلسانه، يقتدي في ذلك بأبي الفضل بن مالك لما وصفه تلميذه الجنيد فقال: (يسبق فعله قوله) (1) .
فإ، قال واحتاج إلى النطق: فهو القول الواحد الذي لا يتبدل، وهو القول الواضح الذي لا تلعثم فيه.
إذا اختلفت سبل الرجال وجدته
مقيما على نهج من القول واضح
نهج واحد، بوضوح كامل، يكشفان عن قلب في الصدر واحد، لا قلوب موزعة، وعن ثبات في صفاء، لم تكدرهما رجرجة ولا أخلاط، فإن اللسان ما زال يترجم للقلب، ولم تزل عفتهما سواء، ولهما شرف وعرض مشترك، وإنما فسق الألفاظ من فسق الشغاف، وما الألسن إلا مغارف للأفئدة، تماما كما رآها البارحة يحيي بن معاذ على حقيقتها، فوصفها لك، ونبهك إلى أن:
(1) تاريخ بغداد 14/422.