فإنه (كان حصيفا في اختيار اللحظة التي يستجاب له فيها لينهض بالواجب المرهق الثقيل ذي التبعة الضخمة في أشد أ,قات الأزمة، وليكون مسؤولا عن إطعام شعب كامل وشعوب كذلك تجاوره، طوال سبع سنوات، لا زرع فيها ولا شرع، فليس هذا غنما يطلبه يوسف لنفسه، فإن التكفل بإطعام شعب جائع سبع سنوات متوالية لا يقول أحد أنه غنيمة، إنما هي تبعة يهرب منها الرجال، لأنها قد تكلفهم رؤوسهم) (1) .
وقد فهم الفقيه الأندلسي أبو بكر الطرطوشي من قول يوسف:
(أن من حصل بين يدي ملك لا يعرف قدره، أو أمة لا يعرفون، فخاف على نفسه، أو أراد إبراز فضله: جاز له أن ينبههم عن مكانه وما يحسنه، دفعا للشر عن نفسه، أو إظهارًا لفضله فيجعل في مكانه) .
قال:(وفيه فائدة أخرى: وهو أنه إن رأى الأمور في يد الخونة واللصوص ومن لا يؤدى الأمانة، ويعلم من نفسه أداء الأمانة مع الكفاية: جاز له أن ينبه السلطان على أمانته وكفايته.
ولهذا قال بعض العلماء من أصحاب الشافعي: من كمل فيه الاجتهاد وشروط القضاء: جاز له أن ينبه السلطان على مكانه ويخطبه خطة القضاء.
وقال بعضهم: بل يجب ذلك عليه إذا كان الأمر في يدي من لا يقوم به) (2) .
وما ذهب إليه ظاهر الصواب، أي في مواجهة الظالم والضعيف، وعلى ذلك يحمل قول أصحاب الشافعي، ولكن يجب أن لا يغيب عن البال أن يوسف كان يخاطب ملكا كافرًا، وأنه لم يطلب ما طلب إلا من بعد تعريض ظاهر بتأميره من قبل العزيز، على ما يدل عليه سياق السورة، فإن العزيز قال: (ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ) .
(1) في ظلال القرآن جـ13 ص11.
(2) سراج الملوك/79.