فطريقة الإيجاز البلاغي القرآ،ي حذفت ما يفهم ضمنا، فإن رسول الملك قال ليوسف فيما يبدو: إن الملك يدعوك، وقد سمعناه يفصح عن رغبته في استعمالك وتأميرك، وتأكد ذلك ليوسف في الإشارة الواضحة في خطاب الملك له حين وصفه بالتمكين والأمانة.
وعليه: فإن تجزئة تفسير قول يوسف وجعله نسبيا واجب، بالتضييق على أناس في تقليد يوسف، والتوسعة على آخرين.
فمن كان من الدعاة مقربا من القائد، مستعملا في عمل مهم يدل على أن القائد وثقه وقواه وأمنه إلى درجة سمحت له باستعماله وجعله من أعوانه، فإنه يسعه -إذا آنس من نفسه بعدًا عن الغرور- أن يشير على القائد أن يستعمله في عمل آخر قريب في أهميته مما هو فيه، هو أكثر اتقانا له، أو يرى أن مصلحة ما توجب تلك خفيت على القائد. ويلجأ خلال ذلك إلى التعريض دون التصريح ما أمكنه وعيرض رأيه بأدب كامل ولفظ رقيق.
وأما من كان من الدعاة غير مستعمل في عمل من أعمال الدعوة، ويرويد أن يطلب نوع عمل مهما صغر، أو مستعملا في عمل صغير ويريد أن يستعمل في عمل كبير لا يقاربه، فالباب ضيق أمامه ضيقا شديدًا، وتقييده بالأحاديث الصحيحة الواردة في المنع أصوب حتى ولو وجد في نفسه قوة وكفاية، والله أعلم.
في التأني السلامة...
وخير له من ذلك أن يتأنى في تحديث نفسه بالإمارة، فإن التأني زين كله.
*يتأني أولا إلى حين اكتمال فقهه ووعيه، ينفذ وصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال:
(تفقهوا قبل أن تسودوا) (1)
فيجب على الداعية أن يتفقه، لسيادة وقيادة من يأتي بعده من أفواج الآيبين إلى الإيمان.
*ويتأنى ثانيا إلى حين اكتمال رجولته وتجربته الحياتية، فإن الأيام لا تزال تزيد المرء تجربة وعلما كما زادت الشاعر الذي خاطبك:
أخي عندي من الأيام تجربة……فيما أظن وعلم بارع شاف
فينفذ وصية الإمام الشافعي حين يقول:
(إذا تصدر الحدث: فاته علم كثير) (2) .
(1) صحيح البخاري 1/28.
(2) فتح الباري 1/175.