الصفحة 51 من 172

بل إن أزمة الحركة الإسلامية الحاضرة إنما هي أزمة قلة المربين والإداريين من أصحاب القابليات الممتازة والصفات العالية، ولن يغفل قائد عن ذي علم وتقوى متحمس في وقت يمسك فيه بالعدسة المكبرة يفتش عنهم تفتيشا، ولكن تجارب القادة تكره بعث وتأمير المتكلف المستشرق المغرور، فنظن نحن أنهم قد غفلوا عنه، وما هي بالغفلة.

الاستثناء لا يقلد

أما قصة الصدائي رضي الله عنه حين طلب الإمارة وأجابه النبي -صلى الله عليه وسلم- فإنما هي استثناء اقتضته المصلحة وأوجبته الظروف، وذلك أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أرسل بعثا إلى اليمن ليحارب بني صداء، فشفع فيهم أحدهم، وأسلم، وجاء بوفد منهم إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معلنين إسلامهم، وكان هذا الشفيع مطاعا فيهم، فطلب من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يؤمره عليهم، فأجابه إلى ما طلب ففي ذلك كما يقول ابن القيم:

(جواز تأمير الإمام وتوليته لمن سأله ذلك إذا رآه كفؤا، ولا يكون سؤاله مانعًا من توليته، ولا يناقض هذا قوله في الحديث الآخر: إنا لن نولي على عملنا من أراده، فإن الصدائي إنما سأله أن يؤمره على قومه خاصة، وكان مطاعًا فيهم محببا إليهم، وكان مقصده إصلاحهم ودعاءهم إلى الإسلام، فرأى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن مصلحة قومه في توليته، فأجابه إليها، ورأى أن ذلك السائل إنما سأله الولاية لحظ نفسه ومصلحته هو، فمنعه منها، فولي للمصلحة ومنع للمصلحة فكانت توليته لله، ومنعه لله) (1) .

فها أنت ترى أنه هو الذي استتابهم، وأنهم بلاد بعيدة منزوية ليس فيهم لو رجعوا أصلح منه، فأقره النبي -صلى الله عليه وسلم- على طلبه، ولا نحفظ في السيرة قصة أخرى مماثلة لها.

يوسف والخزائن

كذلك قول يوسف عليه السلام للعزيز:

(..اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) .

(1) زاد المعاد 3/53.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت