فما يزال بعد ذلك محاصرًا بمشاهد القيامة، وحقيقة الموت القريب، وفضيحة الضعف البشري، فيفر يطلب فهما لحكمة الله أسمى، ويجدد التجرد، يبغي زيادة سكينة تحميه هول المشاهد والحقائق والفضائح، ثم يطلبه أخرى، فأخرى، في تجديد نيات وتوبات، حتى يحلق عاليا، ويبلغ ذروة العيش مع أوامر الله.
هنا: يميل بصره إلى أدنى، فيهوله احتمال السقوط بدفعة من شيطان عدو، فيحذو ، ويخشى هوى يهوي به نزولا وتدحرجًا، فيشرع يدرس أوصاف هذا الهوى، من قبل أن ينقض عليه في أعالي جوه وهو لا يعرفه، ويسأل فقهاء القلوب، من زاهد وشاعر، ينعتونه له.
فإنما سمى الهوى (لأنه يهوى بصاحبه) كما يقول الشعبي، التابعي الكوفي (1) .
أي أنه مشتق من السقوط.
وقول الله تعالى: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى) معناه: سقط وجنح للغروب.
فالذي يتمكن منه الهوى، ويخالف دلالة القرآن والحديث ووصايا الفقهاء: لن تراه إلا في تعثره ووقوع يكبه على وجهه، لا يعرف اتزانًا ولا صعودًا.
سبب الهوى
وسببه: وسخ يكون في القلب، من طمع وحسد وانتصار للنفس، يحجب الرؤية أو يشوشها، كالذي ينظر من وراء زجاجة سوداء.
أو يضاف إلى ذلك: ضعف عين الهاوي، تكون مقلته شوساء، متقاربة الأجفان، ضيقة المجال، فتزداد صورة الحق الشرعي عنده غبشا ولا تتكامل.
ولذلك أوصاه الشاعر أن:
انظر أوصاه الشاعر أن:
انظر، وإياك الهوى، لا تمكنن
سلطانه من مقلة شوساء
فجراثيم تلك الأوساخ تغزو المقلة الشوساء، فتلتهب، فتعمى إن لم تعالج، كما أن تلك الجراثيم تكثر في نفس القلب، حتى يقف نبضه، فيكون الهوى ناقصا لحيوية البداية النابضة.
الهوى أسر وقيد
ومع أن ابن آدم محتوم الأجل، وأنه:
(أسير عمر يسير) (2) .
فإنه يضع نفسه في أسر آخر يختاره، لو خلا إلى نفسه لعجب كيف اختاره.
(1) أدب الدنيا والدين/14.
(2) أدب الدنيا والدين/104.