الصفحة 30 من 172

*مع الله في كره من قد فجر:

يفاصلهم في استعلاء، ويتميز بعزة، ويتطهر عن تشبه، ويستصغر كيدًا ما هم بضارين به من أحد إلا بإذن القدير.

فكذلك يكون في كل حال... مع الله

مع الله في سبحات الفكر……مع الله في لمحات البصر

مع الله حال احتدام الخطر……مع الله في الرهط والمؤتمر

مع الله في حب أهل التقى……مع الله في كره قد فجر (1)

ومع حقيقة الإنسان ومصيره

ثم يتم واقعيته، فيرى حقيقة ضعف الإنسان وقصوره، ويرثي حاله بألفاظ الحسن البصري، يقلب كفيه، ويرسل دمعته عليه، ويقول معه:

(مسكين ابن آدم..

محتوم الأجل، مكتوم الأمل

أسير جوعه، صريع شبعه، تؤذيه البقة، وتقتله الشرقة) (2) .

يطيل التأمل في هذا الأجل الذي يطوق الإنسان، ويخوف نفسه بحقيقة الموت الآتي المحتوم، ويعير سمعه إلى الفقيه القادري العلوي، إن أعوزته البلاغة، وهو يعظه:

الدهر عن طمع يغر ويخدع………وزخارف الدنيا الدنية تطمع

وأعنه الآمال يطلقها الرجأ………طمعًا، وأسياف المنية تقطع

والموت آت، والحياة مريرة……والناس بعضهم لبعض يتبع

واعلم بأنك عن قليل صائر……خبرا، فكن خبرا بخير يسمع (3)

ويظل يرتقي في المشاهدة حتى يستشعر الآخرة من بعد الموت، وتكون رؤيته القلبية لها كالرؤية العيانية، مثل رؤية المحدث الزاهد عبد العزيز بن أبي رواد الذي كان: (كأنه يطلع إلى القيامة) (4) ، فيتردد قلبه بين بشاشة الإطلال على الجنة، ولذعة الإطلاع على النار، حتى يرتجف بدنه طمعًا وخيفة، فيعتقل لسانه عن ذكر الأموال، والقصور والمناصب والنساء، وتصير مجالسه كمجالس الإمام أحمد:

(مجالس آخرة، لا يذكر فيها شيء من أمر الدنيا) (5) .

المرتقى يخاف السقوط

(1) للأميري في ديوان مع الله/29، من قصيدة طويلة ألجأنا هذا المقدار الذي اقتبسناه منها إلى بعض التجوز في العروض في البيت.

(2) أدب الدنيا والدين للمارودي /73.

(3) ذيل طبقات الحنابلة 1/429.

(4) تهذيب التهذيب 6/339.

(5) مناقب أحمد/214.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت