كذلك وصفه ابن تيمية، فإنه لما سجن لم يظهر حزنا، وقال: (المحبوس من حبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه) (1) .
فجعل الهوى أسرًا.
مع ذلك ترى الناس يقعون فيه مرة بعد مرة، لما فيه من إغراء، والعاقل يقيد نفسه عنه إن جربه مرة، ألا يسهو فيستجيب ثانية للإغراء، فيكون كحر لم يصب أصل الحرية واعتنى بصورتها، فمد يديه لقيد الهوى، أو كعبد استخذى لتعبيده لما خدعوه وبدلوا أسماء القيود، وجاءه الناصح الأمين الصريح بقيد يحوطه عن مشيه إلى الهوى، فرفضه.
وهما من تعجب عبد الوهاب عزام لقلة معرفتهما، فقال:
قيد الحر نفسه برضاه……وأبي في الحياة قيد سواه
وترى العبد راضيا كل قيد…غير تقييد نفسه عن هواه (2)
والحقيقة أن هذا القيد الثاني الذي يمنع الانفلات إلى الهوى ليس بقيد وإن استعار اسمه، وإنما هو محض ارتباط بالله وأمره ونهيه، يظن القلب الساذج أنه من جنس القيود، فيطلب التحرر منه، فيستدرجه إغراء الهوى، فيكوب ميادينه وعرصاته، يحسب أنه المتحرر، وبئست حرية الأهواء.
جزم وليد الأعظمي بذلك، ولم يجعل بين الحالتين إلا حدًا واحدًا، فقال:
والقلب ما لم يكن بالله مرتبطًا……فإنما هو بالأهواء جواب (3)
حرية اسمها: الارتباط
أو تقلب ودوران اسمهما: الحرية.
تنازع يقود إلى البطالة
وللهوى أربع مضرات أخر سوى هذا الأسر، رآها ثقات الأطباء عند أهل الهوى وأحصوها:
منها: أنه يصد عن الحق، بحيث تأتي بالدليل والحجة، فيجحدهما الهاوى، وكان أعظم تخوف أمير المؤمنين علي رضي الله عه من ذلك، فقال متشددًا:
(إن أخوف ما أخاف عليكم اثنتين:
طول الأمل، واتباع الهوى.
فأما طول الأمل فينسي الآخرة.
وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق) (4) .
ومنها إفساد العقل، فتكون اجتهاداته معيبة غير موزونة.
فخذ بمنهج من يعصي هواه وقد أطاع أهل الحجا في كل مؤتمر
(1) ذيل طبقات الحنابلة 2/402.
(2) ديوان المثاني/147.
(3) مجلة التربية الإسلامية/494.
(4) الزهد لأحمد/130.