فبشر بن الحارث الحافي يعرف العجب بأنه:
(أن تستكثر عملك، وتستقل عمل غيرك) .
وهذا الجانب من الاعتداء والازدراء هو الجانب الأظهر في العجب حين فحصه سفيان الثوري، حتى كأنه قصر تعريف العجب فيه، فحذرك:
(إعجابك بنفسك حتى يخيل إليك أنك أفضل من أخ لك، وعسى أن لا تصيب من العمل مثل الذي يصيب، ولعله أن يكون هو أورع منك عما حرم الله، وأزكي منك عملا) .
وكأن الفضيل بن عياض رآه رؤية الثوري، فجعله مستقلا عن جانب الاستكثار الذي ذكره بشر، ومستقلا عن نسيان الذنب، فقال:
(إذا ظفر إبليس من آدم بإحدى خصال قال: لا أطلب غيرها: إعجابه بنفسه، واستكثاره عمله، ونسيانه ذنوبه) .
وهذا يعني أن هذه الثلاث، الجامعة لأوصاف العجب حين رآه الصالحون من زواياه المختلفة، هي رأس السوء عند الفضيل، بحيث أن إبليس يضمن بعدها كل عيب يحبه.
أي أن العجب أصل كل بلاء وفتنة عنده.
يجدد بذلك ما نقل له عن عيسى عليه السلام لما قال:
(كم من سراج قد اطفأته الريح، وكم من عبادة قد أفسدها العجب) .
فالعمل الصالح ضياء ونور، يتحول إلى ظلام إذا هبت ريح العجب عليه، هكذا بهبة واحدة.
صرعي المدائح الخمس
قال الثوري:
(فإن لم تكن معجبا بنفسك فإياك أن تحب محمدة الناس، ومحمدته أن تحب أن يكرموك بعملك، ويروا لك به شرفا ومنزلة في صدورهم) .
* وهذا هو السهم الثاني من سهام الشيطان بعد العجب، يعمل أحدهم عمله وهو يريد المكانة به.
وصرعى هذا السهم كثيرون أيضًا، يأتيهم ما يأتي من جهة حب المحمدة العملية.
* فمنه هذا، ومنه ما يأتي من جهة حب محمدة الناس القولية، يحربون في مدحه بلاغتهم لأغراض في نفوسهم، وهو أدرى بما بين جنبيه لو أذكر، لكنه ينسى فيغتر، ويعرض عن ناصح أمين يعلمه أدب الدنيا والدين من قريب:
يا جاهلا غرة إفراط مادحه……لا يغلبن جهل من أطراك علمك بك
أثنى وقال بلا علم أحاط به……وأنت أعلم بالمحصول من ريبك