وتمثيل التقوى بحذر الماشي فوق أرض كثيرة الشوك يؤثر عن الفاروق رضي الله عنه، وبذلك جمع الشاعر بين خلاصة فقه العمرين، ومن عرج ساعة لشوكة شيكها، حتى وجد منقاشا، ثم استخرجها ضاحكًا من شدة صغرها كأنها ذرة، عرف أ، لا قليل من الإثم حقا.
نحو براءة عمرية
ولولا أنهما أول المبادرين إلى تطبيق حكمتهما لما خلدت، لكنه هو الفاروق لما مات رثته ابنة أبي خيثمة فصاحت:
(واعمراه...
أمات الفتن، وأحيا السنن، خرج نقي الثوب، بريئا من العيب) (1) .
بكل معنى البراءة والنقاء.
أفرأيت كيف انتبهت إلى سر مناقبه!
إنه سر براءة الداعية من العيب يفعل لدعوة الإسلام أفاعيلها وفتوحها، وكفي به من سر وسلاح.
وأحدنا اليوم تخالط قلبه أدران الغرور، ويوهمه خيره القليل، فيغتر إدلالا، وبتوقف عن الاستزادة امتنانًا، آمنا غير وجل، وقانعا غير طامع.
ولو أنا ذكرنا ما كان عليه أمر العمرين والسلف، ثم أجرينا المقارنة والمقايسة، لتجدد لنا الخوف، وانبعثت الرغبة، وحصل الحث، وعرفنا قدر نفوسنا.
ولكن خلف نخشى الفضيحة.
قالها صادقة صريحة الرجل الزاهد عبد العزيز بن أبي رواد رحمه الله، واعترف بأننا:
(إذا ذكرت أحوال السلف بيننا: افتضحنا كلنا) .
كلهم في القرن الثالث، فأي فضيحة لمن في القرن الخامس عشر؟.
لا ترفع سعرك....
يفضحنا العجب بالنفس.
والمعجب مفضوح ولا شك بفضيحتين:
بفضيحة الزلل والسقوط أرضًا، إذ ما زال القدماء يقولون عن فلان:
(إن العجب أخذ برجله فزل) ، كمن يهمل النظر في السوق إلى موضع قدمه، فيزلق بقشر أو يعثر بحجر، فمن راث لحاله وشامت، ويقوم متهمًا، تأتيه النصائح من كل جانب، وما هو بحاجة إليها بعد ارتجاج عظامه.
أو يغالي: يطلب لنفسه السعر العالي، فيفضحه الشافعي، وينادي في السوق:
(من سامي بنفسه فوق ما يساوي: رده الله تعالى إلى قيمته) .
وسبب العجب أن المعتقد له يستصغر ما علم من ذنوبه، وينسى كثيرًا منها.
(1) تاريخ الطبري 4/218.