الصفحة 27 من 172

لكنه إن لم يعرف هو منزلته فإن الفضيل بن عياض قد وضع في يدك ميزانًا تشخص به فصيلته، فقال:

(إن من علامة المنافق أن يحب المدح بما ليس فيه، ويكره الذم فما فيه، ويبغض من يبصره بعيوبه) .

فتراه لو مدحه أحد ينتفخ صدره في الحال، ويطرب، وتسبح الخيالات في بحار من اللذة الغامرة، فإذا جاء آخر ناصحًا له: أتقلب بسرعة إلى حالة غريبة، يضيق فيها صدره، وتتسارع أنفاسه، وينفلت لسانه بكل لفظ خشن.

إن ستر الله تعالى لكثير من زلاتنا وعيوبنا إنما هو نعمة كبرى، وكل منا أدرى بحقيقة نفسه من غيره، وما تزكيه الغير لنا إلا من شباك الاستهواء التي ينصبها الشيطان.

ولقد تأمل خالد بن صفوان في أحوال الناس فحذرك:

(أن أقوامًا غرهم ستر الله، وفتنهم حسن الثناء، فلا يغلبن جهل غير بك علمك بنفسك) .

* ومنه نوع ثالث، وهو مبادرة الناقص لمدح نفسه بلسانه، ذكره الله تعالى فقال: (فلا تزكوا أنفسكم) ، وجعله رباح القيسي سبب فساد الأعمال لما سئل:

(ما الذي أفسد على العمل أعمالهم؟

فقال: حمد النفس، ونسيان النعم).

واستدل به الشاعر على وجود المعايب فقال:

عجبا لمادح نفسه لا يهتدي……لتنقص يبديه فيه مدحها

مدح الفتى عند التحدث نفسه……ذكرى معايبه فيدري قبحها.

* ومنه نوع رابع غريب، فإن بعض من يتمكن منهم العجب، ويرون افتضاح أمرهم، يلجأون إلى ذم أنفسهم أمام الغير، ظنا منهم أن الذم سيؤدي إلى اعتقاد المقابل بعدهم عن العجب وما دروا أن التواضع منحة ربانية لا تفتعل افتعالا، وإنما تتنزل على من يعلم الله صدق توجهه، وقد كشف الحسن البصري أمر هؤلاء، وأكد لنا أن:

(من ذم نفسه في الملأ فقد مدحها، وذلك من علامات الرياء) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت