الصفحة 161 من 172

ويصدر بعض الدعاة في تضعيف أنفسهم ومن حولهم عن فهم جامد حرفي لكلام الحماسة الذي نعظهم به، ويغفلون عن طبيعة المربين في إيراد المجازات والقصص التي يريدون منها تنويع التذكير والتفنن فيه، ليكون أدعى لدخول القلوب، من دون أن تكون نبيتهم طلب التطبيق الحرفي من قبل التلميذ لما يريدون.

فلقد وصفوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأنه لم يضع لبنة على لبنة، وما أرادوا حرفية ذلك، فإنا نعلم أنه قد كانت لكل زوجة من زوجاته حجرة، ولم يكن يعيش في خيمة أ, في العراء، لكنهم أرادوا عدم تطاوله في البنيان، وتواضعه فيه، وعدم توسيعه مساحة بنائه، ثم يأتي متحمس من الدعاة اليوم يصفق بيديه ويسترجع، حين يرى أخا له يبني له دارًا تستره في مثل هذه المعيشة المعقدة الحاضرة.

وروينا خبر فلان من السلف، لم يكن يميز الدرهم من الدينار، وإنما أرادوا عزوف قلبه عن الدنيا، وشدة انغماسه في العلم والعبادة، ثم يجلس دعاة اليوم، يعيبون أخًا لهم يمارس التجارة، لم تصرفه صفقاته عن واجباته في الدعوة، ولو تأملوا لوجدوا أن عدم معرفة الدينا من الدرهم بالأمس يقابلها جهل أكثر الدعاة، اليوم جهلا مطبقا بما هنالك من مضاربات سوق الأسهم وتركهم ذلك في سبيل الله، مرابطة مع خطط الدعوة، إلا من نفر منهم -لله أيضًا- ليضارب، يبتغي تحويل المال إلى الأيدي المتوضئة.

وكذلك ما تداولناه من قبل من خبر ذلك التابعي الذي بني له ولفرسه حصنا بالكوفة، كأنه يبدي استعداده للجهاد، فيأتي أحد اليوم يقلده في ذلك.

والناظر بعين العقل، المتأني، يعرف أن مقصد ذاك التابعي منصرف إلى تربية الناس بمنظر عملي على معاني المرابطة للجهاد، وإلا فإنه لو كان يريد حرفية فعلته لبني له حصنا في جبهات القتال، وقد تجاوزت الفتوح في عهده بخاري وبلخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت