ومثله: ذاك الذي لما حدثت الفتنة وضع الطين على بابه وجعل بيته مقفلا، إلا فتحة صغيرة يتنفس منها ويتناول الطعام، فهو إنما أراد بفعلته هذه أن يذكر الناس بمنظر عملي معنى اعتزال الفتنة كلما مروا به وسألوا عن سر هذا الباب المطين، وإلا فالذي يريد أن يعتزلها يسعه أن يعزم عزمة ويدع أبوابه مفتحة.
فعلى إخواننا أن يثقوا بأنفسهمن ويعرفوا أن الله تعالى قد تفضل عليهم وأسبغ عليهم نغمة من الإيمان والعلم والعمل يجب إظهار شكرهم له عليها، وما ثم إلا دعاء له سبحانه بأن يتم لهم نورهم.
وصحيح أن أحدنا يجب أن تكون نفسه حساسة لأدنى تقصير، وأن نقول مرارًا -اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه- وأن نقول-نبوء بنعمتك علينا ونبوء بذنوبنا، فاغفر لنا، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت-، لكن هذه الحساسية لا تقتضي مقت النفس واتهامها الاتهام المسرف الذي يقتل فيها تطلعها إلى الاقتداء بالسلف المهديين، فإن ذلك من العوائق.
ليست الصغائر مثل الكبائر
إن الكثير من حساب نفوسنا، ووزننا للآخرين من المبتدئين العاملين معًا، نجنح فيهما أحيانًا إلى التشدد الزائد عن حد الشرع.
ففي الشرع حرام محض بالغ الحرمة، وفيه مكروهات وصغئر ولمم، ويمكن تمييز كل فعل ودرجاته من الإثم في ذلك من النص عليه، أو من النظر إلى القرائن والظروف، ولكن البعض يستعظم كل الاستعظام أشياء من الصغائر يقترفها إخوانه لم تأت الآيات وكلمات النبي -صلى الله عليه وسلم- مستعظمة لها بمثل ذلك بمقدار ما أتت تحث على التوبة منها، واتباعها بحسنات تمحوها، من صدقة وصلاة، والنظر إلى رحمة رب رحيم يقبل أوبة المتورط فيها.