الصفحة 159 من 172

وهذه الطبيعة في المؤرخين مستمرة تقتضيها صنعة التربية، حتى إننا لو قرآنا بعض الصحف الإسلامية ترثي بعض خيار أموات المسلمين اليوم، من الدعاة والعلماء والمجاهدين والمنفقين، لرأينا أوصافا تصورهم كأنهم السلف، بينما نحن نعرف بحكم معايشتنا لهؤلاء المرثيين هفوات وكبوات أغفل ذكرها من كتب رثاءهم، لا من باب التدليس والتمويه والتزلف، بل من باب تربوي بحت' غايته إثارة الهمة في الأحياء للاقتداء بمحاسن فعالهم.

فقس ما كان يجري بين السلف من ذلك على ما يجري بيننا من هذا.

التراجع يضعف الهمم

يضاف إلى هذا أننا الآن في فترة اجتماعية وسياسية ميزتها التراجع والتدهور إذا قسناها وفق موازين التمدن، وقد شاهد ابن خلدون في مقدمته، وغيره من علماء الاجتماع، أن أعمار الدول كأعمار بني آدم، وأنها تبدأ بقوة وفتوة، ثم يستوى أمرها على نسق هادئ، ثم يميل إلى التأخر التدريجي حتى تنقضي تلك الدولة، فتتأسس على أنقاضها دولة جديدة تأخذ الأمر بقوة وتستأنف الانتصار.

والإسلام قد مثلته خلال تاريخه دول متعاقبة انطبق عليها هذا الميزان، وكل منها قد أجاد وأفاد، وحمي الإسلام، وفتح الفتوح، فتأججت حماسة المسلمين أبناء تلك الدول في فورات متعاقبة حفظت للإسلام حيويته، كما أنه ليس من هذه الدول دولة إلا وتورطت في هفوة أو تقصير يقابل إحسانها.

وجيل المسلمين الحاضر يعيش فترة تراجع شديد بانقضاء عمر الدولة العثمانية، تولد عنه فراغ، بانتظار قيام دولة جديدة تمثل الإسلام، لابد أنها آتية إن شاء الله. وفي مثل هذا الفراغ تضمحل الحماسة، فتبقى حماسة الأفراد معتمدة على ذاتيتهم المحضة ووعظ الواعظين، تظاهرها أو تعينها الحماسة العامة السائدة في كل دولة فتية، الناتجة عن انتصاراتها المبهجة لنفوس أبنائها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت