ولا يغيبن عن الأذهان أن الكتب التي عرفتنا بأحوال السلف قد أرخت الفضائل بأكثر مما أرخت نقص الناقصين، وما من شك ي أن أساتذة التربية يميلون إلى تاريخ هذا النقص، ليبتعد عنها الموفقون، ميلهم إلى تاريخ الفضائل، ليقتدي بها المشمرون، ولكن في النفس الإنسانية ميلا إلى حب الجمال فطريًا، مقتبس من حبه سبحانه وتعالى للجمال، إذ هو جميل يحب الجمال، كما في الحديث الصحيح عند مسلم، كمثل ما اقتبس الله للإنسان والحيوان شعبة من فيض رحمته الواسعة هو عز وجل، فكانت كتب التاريخ، لذلك أكثر إظهارًا للفضائل، لجمالها، من إظهار العور والنقص والحيصات، فنحن نرى الصورة الفاضلة لمجموع أجيال السلف، وغابت عنا هفواتهم بتأويل من تأول تغيبها، جمعًا للقلوب، وسدًا لباب التناحر والفتن والطعن فيهم، وهكذا أصبحنا نظن أن السلف أصحاب كمال مضاعف عما هو عليه أمرهم حقيقة.
وليس هذا من الطعن بالسلف بحال من الأحوال، فإن قد قدمنا من الكلام ما ينفي هذا الوهم، ونعلم أن الله سبحانه وتعالى يزن المسلمين بميزان سورة الأحقاف، في قوله (أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ) ، ونعلم أن الله قد ذكر ذلك لنا إرشادًا وتنبيها وتأديا وتعليمًا، وأن من رجحت حسنات هو الراجح، وقط عظم خيرهم، وفي التأول لهفواتهم مندوحة.
نعم، إنه ليس من الطعن، ولكنها دعوة إلى الواقعية في فهم تاريخنا لابد منها لتوضيح الجواب للذين يلومون أنفسهم، ودليلنا: ما ذكروه من أشياء على سبيل المدح عن آحاد منهم دون سائرهم، من شدة التعبد، وصلاح الباطن، والشجاعة الفائقة، ونحو ذلك، فلو لم يكن المجموع قاصرًا بعض القصور على المستوى المثالي الذي وضعناه فيه، لما تميز هؤلاء بالفعل المذكور عنهم.